كنا في رحلة مع أصدقائي وأوغلنا في الصحراء حتى خشينا ان نفقد طريق العودة، لما جاء وقت الصلاة تيممنا حفاظا على الماء مخافة أن يتأخر رجوعنا إلى العمران، وصلينا جمعا وقصرا، صلاتي الظهر والعصر، ثم وصلنا بحمد الله الى مكان مأهول قبيل المغرب، فاختلفنا قال البعض علينا أن نعيد الصلاة مرة أخرى. بالوضوء، وقال البعض قد أدينا الصلاة في وقتها ولا إعادة علينا، فما هو الحكم الشرعي الصحيح أفادكم الله؟
الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده،
وبعد:
فأهلاً
وسهلاً ومرحبًا بكم أخي العزيز، فإن ما قمتم به من التصرف أثناء رحلتكم عند خشية
نفاد الماء ينم عن وعي وفقه بمقاصد الشريعة الإسلامية التي جاءت بالتيسير ورفع
الحرج عن المكلفين، وحفظ النفس.
وقد
شرع الله سبحانه وتعالى التيمم رخصة وتوسعة على العباد عند فَقْد الماء أو خشية
العطش والهلاك باستعماله؛ فالماء في الصحراء عصب الحياة، وحفظ النفوس مقدم على
الوضوء للصلاة، إذ جعلت الشريعة له بدلاً وهو التيمم، وهو بديل قائم ومجزئ. قال
الله تعالى: {وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاءَ
أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا
مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا {[المائدة:
6]. والخشية من الهلاك أو العطش أو فوات رفقاء الرحلة تلحق بحكم عدم وجدان الماء
شرعًا. كما أن قصر الصلاة الرباعية وجمعها في السفر الشرعي [85 كيلومترًا أو أكثر]
رخصة ثابتة بالسنة والإجماع لرفع المشقة.
اختصارًا: القول
الصحيح والراجح الذي عليه جمهور العلماء هو: أن صلاتكم الظهر والعصر التي صليتموها
بالتيمم جمعًا وقصرًا صحيحة ومجزئة، ولا إعادة عليكم مطلقًا، حتى وإن وصلتم إلى
العمران ووجدتم الماء قبل خروج وقت الصلاة أي قبل المغرب. فمن أدى العبادة كما
أُمر بها وبشروطها الشرعية، برئت ذمته، ولا يُطالب بإعادتها إلا بدليل شرعي جديد،
ولا دليل هنا.
آراء
الفقهاء قديمًا وحديثًا:
اختلف
الفقهاء قديمًا في مسألة: "من تيمم لخشية العطش أو فَقْد الماء ثم وجد الماء
والوقت باقٍ"، وينقسم الخلاف إلى اتجاهين رئيسيين:
قول
جمهور الفقهاء المالكية، والشافعية في الأصح، والحنابلة، والظاهرية:
ذهبوا
إلى أن الصلاة صحيحة ولا تجب الإعادة؛ لأن المكلف امتثل أمر الله تعالى ودخل في
الصلاة بطهارة شرعية مأذون فيها، فخرج من عهدة التكليف.
جاء
في كتاب "المغني"
للإمام ابن قدامة المقدسي: "وإذا تيمم المصلي
وصلى، ثم وجد الماء بعد فراغه من الصلاة، لم تبطل صلاته، ولم تجب عليه إعادتها في
الوقت ولا بعده، في قول عامة أهل العلم... ولنا: قول النبي ﷺ لأبي ذر: الصعيد
الطيب وضوء المسلم، وإن لم يجد الماء عشر سنين، فإذا وجد الماء فليمسه بشرته. فجعل
التيمم طهورًا إلى غاية وجدان الماء، فما صلاه قبله فقد صلاه بطهور شرعي".
وجاء
في "الذخيرة"
للإمام القرافي: "إذا صلى بالتيمم
ثم وجد الماء في الوقت، فالمشهور في المذهب: أنه لا إعادة عليه؛ لأن التيمم طهارة
كاملة في حال عدم الماء، فمن أدى الفرض بها فقد خرج عن العهدة بيقين، والإعادة
تحتاج إلى أمر مجدد".
وجاء
في "المنهاج"
للإمام النووي: "ولا تجب إعادة
صلاة صلاها بتيمم كامل في السفر... فإذا وجد الماء بعد فراغه منها لم تجب الإعادة
على الأصح".
قول
الحنفية وبعض الفقهاء أن عليه الإعادة:
يرى
الحنفية وبعض الفقهاء أن التيمم طهارة ضرورة تقدر بقدرها، لكنهم يوافقون الجمهور
في عدم الإعادة إذا وجد الماء بعد خروج الوقت. أما إذا وجد الماء داخل الوقت ففيها
تفصيل لديهم، لكن المعتمد عندهم في السفر أيضًا عدم الإعادة إذا كان العذر قائمًا
وقت الصلاة.
جاء
في "بدائع
الصنائع في ترتيب الشرائع" للإمام الكاساني: "وَلَوْ صَلَّى
بِالتَّيَمُّمِ ثُمَّ وَجَدَ الْمَاءَ، فَإِنْ وَجَدَهُ بَعْدَ خُرُوجِ الْوَقْتِ
لَمْ يُعِدْ بِالْإِجْمَاعِ، وَإِنْ وَجَدَهُ فِي الْوَقْتِ فَقَدْ رُوِيَ عَنْ
أَبِي حَنِيفَةَ وَأَبِي يُوسُفَ -رَحِمَهُمَا اللَّهُ- أَنَّهُ يُعِيدُ، وَرُوِيَ
عَنْ أَبِي يُوسُفَ أَنَّهُ لَا يُعِيدُ وَهُوَ قَوْلُ مُحَمَّدٍ وَزُفَرَ،
وَعَلَيْهِ اعْتِمَادُ عَامَّةِ الْمَشَايِخِ، وَهُوَ الصَّحِيحُ؛ لِأَنَّ
الصَّلَاةَ انْقَضَتْ صَحِيحَةً، فَلَا يَجُوزُ إبْطَالُهَا بَعْدَ وُقُوعِهَا
صَحِيحَةً إلَّا بِدَلِيل".
رأي
الفقهاء المعاصرين:
يتفق
الفقهاء المعاصرون مثل اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء على ترجيح قول
الجمهور تيسيرًا على الناس واستنادًا إلى السنة الثابتة.
جاء
في فتاوى "اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء": "إذا
تيمم المسلم لعدم الماء أو لخوف العطش وصلى، ثم وجد الماء في الوقت أو بعده، فلا
تجب عليه الإعادة؛ لحديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: خرج رجلان في سفر
فحضرت الصلاة وليس معهما ماء، فتيمما صعيدًا طيبًا فصليا، ثم وجدا الماء في الوقت،
فأعاد أحدهما الصلاة والوضوء ولم يعد الآخر، ثم أتيا رسول الله ﷺ فذكرا ذلك له،
فقال للذي لم يعد: أصبت السنة وأجزأتك صلاتك، وقال للذي توضأ وأعاد: لك الأجر
مرتين". [رواه أبو داود والنسائي]. والله تعالى أعلى وأعلم.
روابط
ذات صلة: