ما هو تأثير خيبات الأمل التي تصيبنا على قدرتنا على اتخاذ القرار السليم، وهل هناك علاقة بين القوة النفسية وبين قدرة العقل الإنساني على التفكير بطريقة سلمية وصحيحة، وكيف نفتح للشباب مسارات من الأمل وليس التبكيت والاستهزاء بهم في حال فشلهم في بعض مواقف الحياة؟
أخي
الكريم، لا شك أن للحالة النفسية تأثيرها الملحوظ على القدرات
العقلية والإدراكية للإنسان، ومن بينها الجودة في اتخاذ القرارات، فخيبات الأمل والإخفاقات
تتحول إلى عائق ذهني أمام التفكير السوي؛ فالنجاح والإنجاز يغري بتكرار التفكير
الجيد.
الخيبة
عائق للتفكير
تؤكد
الدراسات أن لخيبات الأمل تأثيرها السلبي في اتخاذ القرارات، وأن تجنب المشاعر
السلبية والمحبطة له أثره الفعال في جودة اتخاذ القرارات، وهو ما أكدته دراسة نُشرت
منذ سنوات بعنوان "أثر خيبة الأمل
في اتخاذ القرارات"، وخيبة الأمل هي شعور الإحباط الذي
ينتاب الشخص عند مواجهة أخطاء في توقع المكافأة.
وعملية
اتخاذ القرار عملية معقدة، وفي بعض الأحيان لا تسير وفق قواعد
العقلانية أو النفعية، ولكن تلعب العاطفة دورًا مؤثرًا فيها، وقد يكون هذا الدور
العاطفي ذا تأثير سلبي.
وهناك
فارق بين الندم وخيبة الأمل، فرغم تشابه مشاعر الألم الناتج عنهما، فإن الندم يتعلق
بقراراتنا الخاطئة، بأمور نعتقد أننا أخطأنا فيها، ونشعر بالمسؤولية الشخصية عن
النتيجة السيئة؛ ما يجعلنا أكثر حذرًا، ونسعى لتجنب الأخطاء مستقبلًا.
أما
خيبة الأمل فغالبًا لا نملك سيطرة مباشرة على المواقف
المخيبة للآمال، وقد لا نشعر بالذنب ولكن بالإحباط، فالشخص يعلم أنه الأمر ليس خطأه،
لكنها آمال علقها على آخرين أو توقعات.
وحجم
خيبة الأمل يرتبط بدرجة التوقع في المكافأة، فكلما كان توقع
المكافأة كبيرًا، كان الشعور بخيبة الأمل عميقًا ومؤلمًا، وكان التأثير على اتخاذ
القرار أعلى؛ نظرًا لأن الأفراد يسعون لتقليل المشاعر السلبية المستقبلية، ولذا قد
يتخذ الشخص قرارات غير جيدة، ظنًّا أن تلك السلوكيات قد تقلل من الأثر العاطفي
لخيبة الأمل، وبعض هذه القرارات قد يتسبب في خسائر.
يبدو
أنه مع معاناة الشخص من خيبة الأمل، فإن هناك نظامين يتنافسان على الإمساك بعملية
اتخاذ القرار، أحدهما يتسم بالعقلانية والنفعية في طريقة
تفكيره، والثاني متأثر بالعاطفة إلى حد تنحية العقلانية
والنفعية.
كيف
أتجنب سلبيات خيبات الأمل؟
الحقيقة
أن تجنب تأثير خيبات الأمل على عملية اتخاذ القرارات، عملية تبدأ من العقل
والتصورات أولاً، على اعتبار أن الأفكار هي القادرة على تحديد الأوزان الحقيقية
والآمنة للتوقعات والتنبؤات والمكافآت المستقبلية، فبدون تدخل العقل، ستظل لخيبات
الأمل تأثيرها السلبي الفعال على القرار، ومن النصائح التي يمكن تقديمها
في هذه المسألة:
* تخفيض التوقعات والآمال: هناك فارق بين
تخفيض التوقعات، وتخفيض الطموحات، فالغالب أن التوقعات تكون مبنية على تمنيات
وربما معلومات غير مكتملة، أما الطموح فهو حالة نفسية
تحفز على العمل وتشعل الحماسة من أجل الإنجاز والوصول للأهداف.
ومن هنا فإن تخفيض التوقعات وإلزامها بالواقعية، مع
إمدادها باحتمالات وجود إخفاقات هذا يجعل خيبات الأمل ضعيفة، وهي خطوة وقائية للحفاظ على السلامة النفسية،
واستراتيجية عاطفية وقائية تُوجد توازنًا بين الطموح والتمنيات وبين القدرات
والإمكانات المتاحة والسياقات، ولذلك تشير دراسات إلى أن خفض التوقعات قد يكون من
أسباب تحقيق السعادة.
* تنمية الحذر والحيطة: هذه التنمية للحذر
والحيطة، تقلل من خيبات الأمل خاصة في الأشخاص المقربين أو الأهل، فلا يُسرف في
الثقة؛ لأن هذا الإسراف قد ينعكس سلبًا، ويتسبب في خيبات أمل مؤلمة وفي قرارات
عشوائية وغير مدروسة.
* التجنب الاستباقي لخيبة الأمل: يطرح بعض العلماء أسلوب التجنب الاستباقي لخيبات
الأمل، وتشير دراسات إلى أن بعض الناس قد يتخذ قرارات بشكل معين حتى لا يُصاب
بخيبة الأمل، سعيًا لتقليل المخاطر، لكن مشكلة هذا الأسلوب أنه قد يحجب الكثير من
الفرص، لأن القرار المركزي للشخص هو التجنب، وهو يشابه في فقهنا الإسلامي "سد
الذرائع".
لكن هذا التجنب له تكلفته، فالحذر الشديد عائق أمام القرار الصائب، و"سد الذرائع" هو "منع
الأفعال المباحة في الأصل لتجنب مآلات محرمة"، لكن هذا السد رغم أنه
معتبر من الناحية الشرعية، فإن "المجمع الإسلامي للفقه" كان له رأي مهم
وهو أن "المبالغة والتوسع فيه يؤدي حتمًا إلى سلبيات وتعطيل لمصالح الناس"؛
لأنه يؤدي إلى التضييق والحرج وفتح باب الوسوسة والتردد.
وختامًا أخي الكريم، فرغم أن خيبات الأمل تؤدي إلى قرارات غير صائبة وغير جيدة في كثير من
الأحيان، لكن لا أحد يستطيع أن ينكر أن كثيرًا من الناس يتعلمون من خيباتهم
المؤلمة طريقًا لتعديل قراراتهم نحو الأفضل؛ فالهزائم والخسائر قد تكون سبيلاً
لانتصارات ومكاسب أكبر وأفضل.
موضوعات ذات صلة:
كيف
نحمي عقولنا من إجهاد اتخاذ القرارات؟
ماذا
نقصد بإستراتيجية المسافة النفسية؟