هل يحرم الإسراف في استخدام البلاستيك المضر بيئيا؟

هل يأثم المسلم شرعاً بـ "الإسراف في استخدام البلاستيك" أو إلقاء النفايات الإلكترونية في غير الأماكن المخصصة لها إذا ثبت ضررها العام على الصحة والبيئة؟ وما موقف الإسلام عموما من قضايا البيئة؟

الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده، وبعد:

 

فمرحبًا بكم أخي العزيز، فإن الشريعة الإسلامية الغراء جاءت برعاية مصالح العباد في العاجل والآجل، ودفع المفاسد عنهم في الأنفس والأموال، والبيئة التي استخلفهم الله فيها لعمارتها وإصلاحها؛ فقال جل وعلا {هُوَ أَنشَأَكُم مِّنَ الْأَرْضِ وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا} والبيئة بشتى عناصرها أمانة إلهية ونظام كوني متوازن، أي خلل أو إفساد فيه يعود بالضرر المباشر على حياة الإنسان وصحته.

 

وتأتي هذه الفتوى لتبين الحكم الشرعي في ممارسات معاصرة أفرزتها الثورة الصناعية والتكنولوجية، كالإسراف في استهلاك المواد البلاستيكية ذات الأثر التراكمي الضار، والتخلص العشوائي من النفايات الإلكترونية التي تحتوي على مواد سامة وثقيلة، وتأصيل موقف الإسلام الشمولي من القضايا البيئية صيانةً للحياة الإنسانية المستقرة.

 

اختصارًا:

 

يأثم المسلم شرعًا إذا أسرف في استخدام البلاستيك أو ألقى النفايات الإلكترونية في غير الأماكن المخصصة لها، متى ما ثبت علميًّا وطبيًّا أن هذه الأفعال تلحق ضررًا عامًّا ومحققًا بالصحة العامة، أو تدمر المنظومة البيئية التربة، الماء، الهواء، والأحياء، وذلك عملاً بنصوص الوحيين الناهية عن الإفساد والضرر.

 

وينظر الإسلام إلى البيئة والمحيط الحيوي نظرة تكاملية مبنية على ثلاث ركائز:

 

الاستخلاف: الإنسان مستخلف لا مالك مطلق.

 

التوازن الكوني: المحافظة على الميزان الذي خلقه الله.

 

منع الإفساد: فكل سلوك يحافظ على البيئة يُعد شعبة من شعب الإيمان وقربة يثاب عليها المسلم، وكل تخريب لها هو معصية وإفساد في الأرض.

 

آراء العلماء والمجامع الفقهية:

 

أولى العلماء المعاصرون والمجامع الفقهية اهتمامًا بالغًا بالنوازل البيئية، نظرًا لتطور أدوات التلوث واتساع رقعة الضرر الناتجة عنها.

 

أولاً: قرارات المجامع الفقهية والهيئات الإسلامية المعاصرة

 

مجمع الفقه الإسلامي الدولي التابع لمنظمة التعاون الإسلامي في قراره رقم 195 2/21 بشأن البيئة والحفاظ عليها من منظور إسلامي، نص المجمع صراحة على:

 

"إن المحافظة على البيئة ومكوناتها وتنوعها الحيوي واجب شرعي على الإنسان... ويحرم شرعًا كل تصرف أو نشاط يؤدي إلى إلحاق الضرر بالبيئة، أو الإخلال بالتوازن البيئي، أو تبديد الموارد الطبيعية، أو تعريض صحة الكائنات الحية وفصائلها للخطر". واعتبر المجمع أن التخلص غير الآمن من المواد السامة والتي تندرج تحتها مكونات النفايات الإلكترونية يعد جناية شرعية توجب العقوبة والضمان.

 

منظمة العالم الإسلامي للتربية والعلوم والثقافة إيسيسكو: في وثيقتها الإطارية حول "الإسلام والبيئة"، أكدت أن الإسراف في استخدام المواد غير القابلة للتحلل الحيوي كالبلاستيك التقليدي وتراكمها في البحار والبراري يعتبر خروجًا عن مقتضى التوسط والاعتدال الشرعي، وإضرارًا بالجيل الحالي والأجيال القادمة.

 

فتاوى ومواقف كبار العلماء

 

الشيخ ابن عثيمين رحمه الله: اتفق العلماء المعاصرون على أن إلقاء الأذى في طرق الناس ومقراتهم محرم شرعًا، وتشتد الحرمة بحسب نوع الأذى.

 

جاء في "فتاوى نور على الدرب" للشيخ ابن عثيمين: "كل ما فيه أذية للمسلمين في طرقاتهم أو في مجالسهم أو في أماكن تجمعهم فإنه محرم... لأن النبي ﷺ قال: اتقوا اللاعنين، وذكر منها الذي يتخلى في طريق الناس أو في ظلهم". وإذا كان هذا في الأذى العضوي البسيط، فإن الأذى الكيميائي والإلكتروني الذي يستمر ضرره لمئات السنين أشد حرمة وجرمًا.

 

الفتوى الأردنية: أصدرت دائرة الإفتاء العام الأردنية فتاوى تقضي بحرمة تلويث البيئة بالمواد الصلبة والبلاستيكية، وجاء في مضامينها: "إن إلقاء النفايات في غير أماكنها المخصصة سلوك محرم شرعًا لما يترتب عليه من ضرر بالصحة العامة والبيئة والمنظر العام، والإسلام دين النظافة والإتقان".

 

القواعد الفقهية الحاكمة:

 

تتخرج هذه النازلة على كبرى القواعد الفقهية الخمس، وقواعدها الفرعية، كالتالي:

 

1.  قاعدة: "لا ضرر ولا ضرار"

 

هي النص النبوي الشريف والقاعدة الكلية؛ فمتى ما ثبت علميًّا أن حرق البلاستيك أو طمر النفايات الإلكترونية يطلق سمومًا مثل الديوكسين أو الرصاص والزئبق تسبب السرطانات وتلوث المياه الجوفية، فإن الفعل يصبح محرمًا شرعًا منعًا لإيقاع الضرر بالذات أو بالغير والمنظومة العامة.

 

قاعدة: "الضرر يُزال"

 

توجب هذه القاعدة على الأفراد والمؤسسات اتخاذ التدابير اللازمة للتخلص الآمن من الملوثات، وإلزام الجهات المنتجة بإعادة التدوير؛ لأن بقاء هذه النفايات مستقرة في غير مكانها يمثل ضررًا مستمرًا يجب رفعه شرعًا.

 

قاعدة: "درء المفاسد مقدم على جلب المصالح"

 

قد يجد الفرد مصلحة شخصية تافهة كالتخلص السريع والسهل من جهاز إلكتروني قديم برميّه في القمامة العادية أو الخلاء، لكن هذه المصلحة الفردية تتضمن مفسدة عامة عظيمة تلحق بالمجتمع وبيئته. هنا تقدم الشريعة درء المفسدة العامة حماية البيئة على المصلحة الخاصة لـلمكلف.

 

قاعدة: "كل ما أدى إلى المحرم فهو محرم" (سد الذرائع)

 

الإسراف الزائد في استهلاك البلاستيك القابل للاستخدام لمرة واحدة مع غياب الرقابة البيئية يؤدي يقينًا إلى تراكم مخلفات تقتل الحياة البحرية والبرية. وبما أن قتل هذه الأنفس وإفساد الموارد محرم، فإن الوسيلة المؤدية إليه الإسراف العشوائي في الاستهلاك والرمي تأخذ حكم المقاصد في الحرمة. والله تعالى أعلى وأعلم.

 

روابط ذات صلة:

البيئة.. أهميتها وواجب المسلم تجاهها