كتب والدي وصية بثلث ماله لأختي الصغرى لأنها لم تتزوج وهي بحاجة لسكن، فاعترض إخوتي الذكور وقالوا 'لا وصية لوارث'، فهل تنفذ الوصية أم تبطل؟
الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده،
وبعد:
فمرحبًا بك أخي الكريم، وإن الشريعة الإسلامية الغراء قد
وضعت حدودًا دقيقة في قسمة التركات لحفظ الاستقرار الأسري ومنع الخصومة بين
الأقارب، كما شرعت "الوصية" كأداة مالية تتيح للمرء تدارك ما فاته في
حياته من أعمال البر أو لسد حاجة بعض أقاربه. غير أن اجتماع "الوصية" مع
"الإرث" لشخص واحد يعد من المسائل الدقيقة التي ضبطتها النصوص الشرعية
والقواعد الفقهية لمنع الجور والتفاضل الموغر للصدور بين الورثة، وفيما يلي بيان
حكم هذه المسألة وتفصيل آراء العلماء فيها.
اختصارًا: الوصية
التي تركها والدكم لأختكم الصغرى بثلث ماله تعتبر "وصية لوارث"، والأصل
في الوصية للوارث أنها موقوفة على إجازة وموافقة باقي الورثة بعد موت الموصي،
وليست باطلة بطلانًا مطلقًا.
• فإذا وافق إخوتكِ الذكور وبقية الورثة إن وجدوا على
تنفيذ الوصية، فإنها تنفذ صحيحة ويقتطع الثلث للأخت الصغرى قبل قسمة التركة.
• أما إذا اعترض إخوتكِ الذكور ورفضوا إجازتها، فإن
الوصية تبطل في نصيب من اعترض فقط، وتنفذ في نصيب من رضي بها إن كان هناك ورثة
آخرون وافقوا عليها. وفي حال اعتراض جميع الورثة، تبطل الوصية بالكامل وتُقسم
التركة بحسب الأنصبة الشرعية.
• فإذا أراد الوالد حفظ بنته التي لم تتزوج فيسعه في حال
حياته أن يشتري لها من ماله بيتًا يحفظها، ولا بأس في هذا، وهو مختلف عن الوصية،
فالوصية تصرف مضاف لما بعد الموت، أما شراؤه فهو تصرف في ماله بالحسنى وله ما
يبرره.
آراء العلماء قديمًا وحديثًا:
استند المعترضون على الوصية لأحد الورثة إلى الحديث
الشريف: «إنَّ اللهَ قَدْ أَعْطَى كُلَّ ذِي حَقٍّ حَقَّهُ، فَلَا وَصِيَّةَ
لِوَارِثٍ» رواه أبو داود والترمذي. وبناءً على هذا الحديث والنصوص الأخرى، انقسمت
تفصيلات الفقهاء في المسألة على النحو التالي:
جمهور الفقهاء الحنفية، والشافعية، والحنابلة، والمالكية
ذهب جمهور العلماء إلى أن الوصية للوارث لا تنفذ إلا إذا
أجازها الورثة بعد وفاة الموصي، شريطة أن يكون المجيز من أهل التبرع بالغًا
عاقلاً، جاء في الهداية في شرح بداية المبتدي للمرغيناني 4/ 151: ولا تجوز الوصية
للوارث إلا أن يجيزها الورثة... لقوله عليه الصلاة والسلام: "لا وصية لوارث
إلا أن يجيزها الورثة"؛ ولأن المنع كان لحق الورثة فإذا رضوا به زال المانع.
وجاء في المجموع شرح المهذب للنووي 15/ 419: «فإن وصى
لوارث؛ لم تصح الوصية إلا أن يجيزها باقي الورثة بعد الموت.
وجاء في المغني لابن قدامة 6/ 182: أما الوصية للوارث،
فهي موقوفة على إجازة الورثة، في قول أكثر أهل العلم... فإن أجازوها جازت، وإن
ردوها بطلت.
وجاء في المدونة 4/ 342: الوصية للوارث لا تجوز إلا أن
يجيزها الورثة.
القول ببطلانها مطلقًا بعض السلف والظاهرية
ذهب أهل الظاهر ورواية عن بعض السلف إلى أن الوصية
للوارث باطلة من أساسها، ولا تصح حتى لو أجازها الورثة، متمسكين بظاهر لفظ الحديث:
[فلا وصية لوارث].
جاء في المحلى بالآثار لابن حزم 8/ 356: «ولا تجوز وصية
لوارث أصلاً، لا بموافقة الورثة ولا بغير موافقتهم.
الرأي الفقهي الحديث وقوانين الأحوال الشخصية
أخذت دور الإفتاء المعاصرة، ومعها غالبية قوانين الأحوال
الشخصية العربية والإسلامية مثل القانون المصري، والسوري، والأردني، والمغربي،
برأي الجمهور في أن الوصية للوارث صحيحة وموقوفة على إجازة الورثة في حدود الثلث.
بل إن بعض التشريعات الحديثة المستمدة من فقه بعض التابعين كشريح القاضي والظاهرية
في شق آخر أجازت الوصية للوارث في حدود الثلث دون حاجة لموافقة الورثة تنفيذًا
لعموم الآية: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُم إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ المَوتُ إِن تَرَكَ
خَيرًا الوَصِيَّةُ لِلوَالِدَينِ وَالأَقرَبِينَ﴾، إلا أن المفتى به في ديار
الإفتاء المعاصرة حاليًا في قضايا النزاع الرد إلى مذهب الجمهور وهو: التوقف على
إجازة الورثة من باب سد ذريعة الخلاف الأسري. والله تعالى
أعلى وأعلم.
روابط
ذات صلة:
أمي أوصت لي بالذهب.. فهل يجوز أخذه؟