اتباع كثير من التضارب بين اراء المتخصصين والجميع يستند لدراسات وأبحاث من جامعات لها سمعتها البحثية فكيف أنجو من هذه الحيرة وكيف افهم مدلولات الدراسات التي يستندون إليها؟
أخي الكريــم، سؤالكم ذو أهمية؛ لأنه يمدنا بأدوات معرفية تساعدنا على اكتشاف عمليات
التوظيف والاستغلال التي تتعرض لها الأبحاث والدراسات تحت ستار العلمية، للوصول
لأغراض خاصة كتسويق منتجات معينة، أو دفع الناس لاستهلاكات بعينها أو الإحجام عن
منتجات أخرى، فتحت ستار العلمية يتم استلاب وعي الناس وإجبارهم على الاقتناع بآراء
ومواقف معينة.
ما هو التوظيف الانتقائي للعلم؟
أخي الكريم، لا شك أن العلم والمعلومة يتعرضان لعمليات استغلال وتوظيف، تحقيقًا لمصالح
معينة أو ترويج منتجات أو تشويه منتجات، وذلك من خلال إعطاء معلومات ناقصة وغير
مكتملة ومنتزعة من دراسات علمية.
ويمكن تعريف هذا التوظيف للعلم الانتقائي بأنه استخدام
أو تأييد نتائج علمية معينة مع تجاهل أو رفض أو قمع نتائج أخرى، ويحدث هذا التوظيف
في كثير من الأحيان عندما يقوم الأفراد أو الشركات أو صناع السياسات، بلَيّ
"ذراع المعلومة" لإيجاد مواءمة بين الأدلة العلمية، وبين مصالحهم
المالية أو السياسية أو الأيديولوجية المسبقة.
ويلاحظ أن بعض أصحاب المصالح قد يسلطون الضوء والاهتمام
على جزء من البحث أو الدراسة، ويغفلون بقية ما ورد في الدراسة، وهذا ما يحدث في
بعض شركات الأدوية والأغذية التي تروج لنتائج بعينها، أو تسوق لمنتجات للصحة أو
التخسيس -مثلاّ- دون أن تذكر الأعراض الجانبية لهذا العلاج أو المكمل الغذائي، مثل
الترويج لعمليات تكميم المعدة.
على سبيل المثال، فرغم مخاطر وأضرار العملية المؤكدة
التي أكدتها الدراسات العلمية المنصفة، فإن البعض يوظف بعض الأبحاث العلمية ويقتطع
أجزاء منها، ثم يستند إليها في التسويق أن الأبحاث تؤكد أن 60% إلى 70% من المرضى
فقدوا أوزانهم الزائدة خلال عام، بعدما تم تكميم المعدة أي إزالة 80% من المعدة
وتحويلها إلى أنبوب يشبه في حجمه وشكلة ثمرة الموز.
وفي هذه الحالة يتم التغاضي عن أضرار العملية الكبيرة
على الإنسان وإضعافها لمناعته، وما تحدثه من نزيف داخلي وجلطات، وظهور ما يسمى
بمتلازمة الإغراق، وهي مجموعة من الأعراض المرضية تحدث مع تناول الطعام، ونقص
الفيتامينات والمعادن، أي أن الطعام تحول إلى أزمة للإنسان أصعب من أزمة السمنة.
واستنادًا إلى مقتطفات من دراسات، وأبحاث لم تكتمل،
وفرضيات لم يثبت صحتها، تم الترويج لمثل هذه العمليات تحت غطاء من العلمية،
والترويج لها أنها "حل سحري".
لكن الأخطر في التوظيف الانتقائي للعلم هو أنه في ظل انتشار المعلومات وسهولة
الوصول إليها والتعامل معها، دخل كثير من الناشطين وغير المتخصصين في هذا التوظيف
الانتقائي للعلم، واستطاعوا من خلال الربط بين معلومات ونتائج لأبحاث علمية بصورة
منتقاة ومنتزعة من سياقها في دعم وتأييد نتائج ومواقف معينة والادعاء بعلميتها
وصحتها، وبناء سردية تبدو وكأنها علمية، لكن حقيقتها أنها تكشف عن توظيف انتقائي
للعلم.
كيف أكتشف عمليات التوظيف الانتقائي للعلم؟
أخي الكريم، هناك عدة أسئلة يجب أن تطرحها وتفكر فيها
حتى لا تنخدع بعمليات التوظيف الانتقائي للعلم:
* سؤال التمويــل: تُظهر الدراسات باستمرار أن
الداعم المالي يمكنه التأثير بشكل غير واعٍ أو متعمد على تصميم الدراسة وتفسير
البيانات والإبلاغ عن النتائج، ولذلك فإن الكثير من الدراسات الرصينة تذكر في
نهايتها الأطراف التي ساهمت في التمويل، حيث إن بعضًا من الدراسات تؤيد وجهة نظر
الجهة الممولة للبحث، وهو ما يعرف بـ"انحياز التمويل" وهو نوع من
الانحراف المنهجي، فمثل هذه الدراسات قد يغفل الواقع لصالح الجهة الممولة للبحث.
* الانحياز: انحياز الباحث الفكري والأيديولوجي
والاجتماعي يتسبب في توظيف انتقائي للعلم، وقد تكون النتائج مضللة ومثال ذلك بحث
"وراثة الذكاء" التي طرحها عالم نفس الوراثة الإنجليزي
"سيريل بيرت"، حيث خلصت "أبحاثه" إلى أن الأطفال من الأسر ذات
الوضع الاجتماعي والاقتصادي المتدني كانوا على الأرجح أقل قدرةً على الإدراك
مقارنةً بأقرانهم من الأسر ذات الوضع الاجتماعي والاقتصادي المرتفع، وكان لهذا
البحث ونتائجه تأثير كبير على النظام التعليمي في إنجلترا خلال ستينيات القرن
الماضي، حيث كان يُرسل أطفال الطبقتين المتوسطة والعليا إلى مدارس النخبة، بينما
كان يُرسل أطفال الطبقات الاجتماعية والاقتصادية المتدنية إلى مدارس ذات خصائص أقل
جاذبية، وبعد وفاة بيرت، كشفت أبحاث لاحقة أن بيانات دراساته كانت مُلفّقة.
* سؤال الوقت: حيث لا بد لك أن تعرف تاريخ نشر
الدراسة؛ لأن توقيت النشر قد يؤثر على النتائج، وأن العلم يتجدد والأبحاث تطورت في
المجال، وبالتالي قد تكون النتائج قديمة.
* سؤال الدراسات الأخرى في المجال: وهنا يجب من
بذل جهد حتى ولو محدودًا للاطلاع على دراسات أخرى في نفس المجال، وهل تتفق مع ما تم
التوصل إليه في البحث الذي يتم الترويج له.
موضوعات
ذات صلة:
هل كل فكرة جديدة نور وسط الظلام؟
التضليل الإعلامي.. التلاعب بالمعلومة
كيف تفسر الثقافة وعلم النفس عشق الخرافة؟
هل تؤثر النبوءات الدينية في السياسة الدولية؟
هل
للعلم دور في تحقيق التوازن الأخلاقي والفكري؟
الإلحاد
الديني والعلمي هل هناك اختلاف؟