صرف مخلفات السفن والمصانع في المياه في ميزان الشريعة

ما حكم إلقاء مخلفات السفن والمصانع الكيميائية في البحار والمحيطات من منظور فقهي؟ وهل يُعد ذلك من "الإفساد في الأرض" الذي يوجب التعزير قانوناً وشرعاً؟

الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده، وبعد:

 

فمرحبًا بك أخي الكريم، وإن البيئة بنظامها الدقيق وتوازنها المتقن هي من أعظم آيات الله الكونية الدالة على وحدانيته وإعجاز خلقه، قال تعالى: {إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ}. وقد استخلف الله الإنسان في هذا الكون لعمارته ونفع الخلائق، لا لتخريبه وإهلاك مقدراته. ومن أشد النوازل المعاصرة خطورة ما تشهده البحار والمحيطات من تعدٍّ سافر بإلقاء المخلفات الكيميائية السامة ونفايات السفن والمصانع، مما يتسبب في اختلال التوازن البيئي وإهلاك الثروة البحرية، وهو ما يستدعي بيانًا حازمًا للحكم الشرعي من واقع المقاصد الكلية للتشريع الإسلامي.

 

اختصارًا: إلقاء مخلفات السفن والمصانع الكيميائية في البحار والمحيطات حرام شرعًا وجريمة نكراء؛ لما يترتب عليه من ضرر محقق بالثروة المائية، والحيوانات البحرية، وصحة الإنسان الذي يعتمد عليها. ويُعد هذا الفعل صورة صارخة من صور "الإفساد في الأرض" المنهي عنه قطعا في التنزيل الحكيم. وبناءً عليه، يجب شرعًا وقانونًا إيقاع العقوبات التعزيرية الزاجرة على الشركات، والمصانع، والأفراد المتسببين في هذا التلوث، ولولي الأمر أو الدولة الحق الكامل في سن التشريعات الصارمة وتغريم المخالفين بما يتناسب مع حجم الجرم لحماية المصالح العامة.

 

أولاً: نظير المسألة في الفقه القديم:

 

لم تكن المصانع الكيميائية ومخلفات السفن النفطية موجودة بصورتها المعاصرة في زمن الفقهاء المتقدمين، لكنهم وضعوا أصولاً قاطعة لمنع تلوث المياه وإلحاق الضرر بالمرافق العامة والخاصة، وحرّموا إفساد ما ينتفع به الناس، فعلى سبيل المثال فقد حرّم الفقهاء إلقاء النجاسات والمواد المضرة في المياه الجارية والراكدة لما فيه من إفسادها على مستخدميها.

 

وسنده: ما رواه مسلم في صحيحه أن النبي قال: «اتَّقُوا اللَّعَّانَيْنِ» قَالُوا: وَمَا اللَّعَّانَانِ يَا رَسُولَ اللهِ؟ قَالَ: «الَّذِي يَتَخَلَّى فِي طَرِيقِ النَّاسِ، أَوْ فِي ظِلِّهِمْ»، وفي رواية لأبي داود: «اتقوا الملاعن الثلاثة: البراز في الموارد، وقارعة الطريق، والظل»، والموارد هي مجاري المياه ومنابعها.

 

جاء في "حاشية ابن عابدين" من فقه الحنفية 6/613 في أحكام تصرف الشخص في ملكه بما يضر جيرانه: «لأن إحداث الضرر الفاحش ممنوع... والضرر الفاحش هو ما يكون سببًا لهدم البناء أو يمنع الحوائج الأصلية كصنع طاحونة أو حمام يُدخن أو يمنع النوم من السهر». فإذا كان هذا في الدخان الساكن، فكيف بسموم تهلك الحرث والنسل؟!

 

وجاء في "المدونة" للإمام سحنون في فقه المالكية 4/535: «سألت مالكًا عن الرجل يكون له المجرى فيمر بباب رجل، أله أن يلقي فيه ما يفسده؟ قال: ليس له ذلك، ويُمنع من كل ما يضر بأهل الخطط أو يفسد عليهم مياههم».

 

حرمة الإضرار بالصيد والثروة المائية:

 

وجاء في "الأحكام السلطانية" للإمام الماوردي الشافعي ص/334 في وظيفة المحتسب: «ويمنع من إلقاء القمامات والأزبال في الشوارع لئلا تضيق بها المسالك وتتأذى بها السابلة... وكذا يُمنع من إفساد المياه ومشارعها لأنها منفعة مشتركة».

 

ثانيًا: فتاوى الهيئات والعلماء المعاصرين

 

أجمع علماء العصر الحديث والمجامع الفقهية على تجريم التلوث البيئي الكيميائي بكافة أشكاله:

 

قرار مجمع الفقه الإسلامي الدولي المنبثق عن منظمة التعاون الإسلامي: في دورته الخامسة، أصدر قرارًا بشأن البيئة جاء فيه: «إن المحافظة على البيئة من التلوث الإنساني مطلب شرعي، وإن الإلقاء العشوائي للنفايات الصناعية والكيميائية والسامة في المياه الإقليمية أو الدولية يُعد جناية على البيئة والإنسانية، ويجب على الدول الإسلامية سنّ الأنظمة الزاجرة لمعاقبة مرتكبيها».

 

المنظمة الإسلامية للعلوم الطبية بالتعاون مع مجمع الفقه: أكدت في ندواتها البيئية أن: «تلوث البحار بالنفط والمواد الكيميائية يندرج تحت جنايات الإفساد في الأرض، ولولاة الأمور معاقبة المتسببين بالتعزير المالي والبدني وبإلزامهم بإزالة الضرر على نفقتهم الخاصة».

 

القواعد الفقهية الحاكمة:

 

تتكامل القواعد الفقهية في صياغة الحكم الشرعي الصارم بمنع هذا التلوث وتأثيم فاعله:

 

قاعدة "لا ضرر ولا ضرار": وهي أصل قطعي في تحريم إلحاق الضرر بالآخرين ابتداءً، أو مقابلتهم بالضرر. وإلقاء المواد الكيميائية يُحدث ضررًا عامًّا عابرًا للقارات والمجتمعات يصيب الإنسان، والنبات، والأحياء البحرية.

 

قاعدة "الضرر يُزال": توجب هذه القاعدة على الدولة والجهات المختصة ليس فقط منع التلوث مستقبلاً، بل إلزام المصانع والسفن بإزالة آثار التلوث التي تسببت فيها، عبر تقنية التطهير والتحييد الكيميائي وإعادة تأهيل البيئة المتضررة.

 

قاعدة "يُتحمل الضرر الخاص لدرء الضرر العام": قد تزعم المصانع أو شركات الشحن البحري أن التخلص من النفايات بطرق آمنة كالتدوير أو المعالجة الثلاثية يكلفها أموالاً طائلة ويؤثر على أرباحها وهو ضرر خاص، وهنا تقرر القاعدة أن تكلفة المصنع الخاصة تتحمل مجبرة، في سبيل حماية سلامة البحار والبشرية جمعاء وهو درء الضرر العام.

 

قاعدة "ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب": بما أن المحافظة على حياة الناس وصحتهم واجب شرعي، وبما أن هذا الواجب لا يتحقق في العصر الحديث إلا بوضع فلاتر ومحطات معالجة للمخلفات الصناعية، فإن توفير هذه الوسائل التقنية يصبح واجبًا شرعيًّا يأثم من يتركها.

 

مفهوم "الإفساد في الأرض" ووجوب التعزير:

 

أولا: منظور الإفساد في الأرض

 

توعد الله جل جلاله المفسدين في الأرض بأشد العقاب، قال تعالى: {وَلَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بَعْدِ إِصْلَاحِهَا}. والإفساد في الآية يشمل إخراج بيئة الأرض ومائها وهوائها عما خلقها الله عليه من الصلاح والنقاء. فالإلقاء العشوائي للمخلفات يغير الخصائص الطبيعية للمياه، ويدخل السموم المتراكمة إلى السلسلة الغذائية للأسماك ومن ثم إلى جسد الإنسان، وهو عين ما حذر منه القرآن: {ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُم بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ}.

 

وجوب التعزير شرعًا وقانونًا:

 

التعزير هو العقوبة المشروعة في كل معصية لا حدّ فيها ولا كفارة. وبما أن تلوث البحار جريمة تمس المصلحة العامة والأمن الغذائي والصحي للأمة، فإن لولي الأمر سلطة كاملة بل يجب عليه وضع العقوبات التعزيرية الرادعة التي تشمل:

 

العقوبات المالية والغرامات وذلك بإلزام الجهة الملوثة بدفع تعويضات مالية ضخمة تتناسب مع حجم التدمير البيئي.

 

العقوبات المقيدة للحرية والتأديبية كسجن المسؤولين عن اتخاذ قرارات الإلقاء العشوائي للسموم، وسحب تراخيص العمل من المصانع والسفن المخالفة، وإغلاقها نهائيًّا عند التكرار.

 

دور الشريعة الإسلامية في تعزيز مخرجات التنمية المستدامة:

 

تتطابق مقاصد الشريعة الإسلامية بشكل مذهل مع الأبعاد الحديثة للتنمية المستدامة، بل إن الإسلام يمنح هذه المخرجات بعدًا تعبديًّا وأخلاقيًّا يجعل الامتثال لها نابعًا من رقابة ذاتية وضمير إيماني قبل الرقابة القانونية. ويتجلى ذلك في المحاور التالية:

 

· الحفاظ على الموارد للأجيال القادمة:

 

التنمية المستدامة تهدف إلى تلبية احتياجات الحاضر دون المساس بقدرة أجيال المستقبل على تلبية احتياجاتها. وفي الفقه الإسلامي، يتجلى هذا في مفهوم "الوقف" و"حمى المباحات". فالأرض والبحار ليست ملكًا لجيل واحد يستنزفها ويفسدها، بل هي أمانة استخلاف عبر العصور.

 

· الاستهلاك والإنتاج المسؤولان:

 

تقوم الفلسفة الرأسمالية الحديثة على تعظيم الربح على حساب البيئة، بينما تضع الشريعة كوابح أخلاقية تمنع الإسراف والتبذير حتى في استخدام الماء، حيث نهى النبي عن الإسراف في الماء ولو كان الإنسان على نهر جارٍ. هذا المبدأ يعزز التوجه نحو تدوير المخلفات الصناعية بدلاً من التخلص السهل والمدمر بإلقائها في البحار.

 

· صيانة الحياة تحت الماء:

 

حمى الإسلام الأحياء البحرية والبرية وجعل الإحسان إليها بابًا من أبواب دخول الجنة ففي كل كبد رطبة أجر. وإن الشريعة من خلال حظرها للمواد السامة في المياه تحمي النظم البحرية، مما يضمن استدامة المصادر السمكية، وحماية التنوع البيئي الذي يعتمد عليه مئات الملايين من البشر في سبل عيشهم.

 

· تعزيز الصحة العامة والرفاه:

 

من الكليات الخمس في الشريعة: "حفظ النفس" و"حفظ العقل". والملوثات الكيميائية كالزئبق الرصاص وغيرها، التي تُلقى في المحيطات تعود إلى الإنسان عبر المأكولات البحرية مسببةً أمراضاً سرطانية وعصبية فتاكة. فالمنع الفقهي التام لهذه السلوكيات هو صمام الأمان الطبي والصحي للمجتمعات. والله تعالى أعلى وأعلم.

 

روابط ذات صلة:

هل يحرم الإسراف في استخدام البلاستيك المضر بيئيا؟

هدي النبي ﷺ في الحفاظ على البيئة

البيئة.. أهميتها وواجب المسلم تجاهها

الفقه الإسلامي في خدمة البيئة.. نحو اقتصاد أخضر في الخليج