ما الحكم الفقهي في الفائض من الأطعمة في الفنادق والمطاعم الكبرى؟ هل يجب شرعاً تدويرها وتوزيعها، وما هي المسؤولية الجنائية أو الأخلاقية في حال إتلافها مع وجود جائعين؟
الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده،
وبعد:
فأهلاً وسهلاً ومرحبًا بك أخي الكريم، وإن نعم الله
تعالى على عباده كثيرة، وأعظمها بعد الإيمان نعمة الغذاء والقوت التي بها قوام
الحياة. وقد أقام الإسلام تشريعاته على حفظ الضروريات الخمس، ومنها حفظ المال
والنفس. وفي عصرنا الحالي، تحولت ظاهرة "هدر الطعام" في الفنادق والمطاعم
الكبرى إلى قضية تؤرق المجتمعات أخلاقيًّا، واقتصاديًّا، وبيئيًّا، خاصة عندما نرى
أطنانًا من الأطعمة الصالحة تُلقى في النفايات، في المقابل يعاني ملايين البشر من
الجوع والفقر. إن هذا التناقض الصارخ يستوجب بيانًا شرعيًّا حازمًا يوضح حدود
المسؤولية والواجب الفقهي تجاه فائض الطعام.
اختصارًا: إتلاف فائض الأطعمة الصالحة للاستهلاك الآدمي في الفنادق والمطاعم حرام
شرعاً، وهو داخل في نطاق التبذير وإضاعة المال المنهي عنهما. ويجب شرعًا على أصحاب
هذه المنشآت وإداراتها تدوير هذا الفائض وتوزيعه على المحتاجين عبر آليات آمنة
وصحية.
أما في حال تعمد الإتلاف مع وجود جائعين، فإن المسؤولية
الأخلاقية والآثام الشرعية تقع على عاتق المتسببين مباشرة. ومن الناحية الجنائية
والشرعية، يحق لولي أمر الدولة سنّ تشريعات تعزيرية تجرّم هذا الهدر وتفرض غرامات
على المنشآت المخالفة بناءً على المصلحة العامة. أما الأطعمة غير الصالحة
للآدميين، فيجب تدويرها كأعلاف للحيوانات أو أسمدة عضويّة لحماية البيئة.
ولكن ينبغي أيضًا على الدولة ومؤسسات المجتمع المدني
الاجتهاد ووضع حلول تساعد هذه المنشآت على الالتزام بتوزيع الطعام أو إعادة
تدويره، فعملية التوزيع وإعادة التدوير ستحتاج إلى عمالة ومصروفات إضافية، وما لم
تجد هذا المؤسسات معينًا فسيظل دائما التخلص من الطعام هو الخيار الأوفر والأسهل.
أولاً: آراء العلماء قديمًا
اتفق فقهاء المذاهب الأربعة على تحريم إلقاء الطعام أو
إتلافه إذا كان صالحًا، لكونه نوعًا من كفر النعمة وإضاعة المال.
ابن حزم الأندلسي ت 456هـ: ذهب إلى أبعد من مجرد
التحريم، بل رأى أن إطعام الجائع فرض عين على الأغنياء إذا لم يقم بيت مال
المسلمين بذلك. قال في كتابه "المحلى بالآثار" 6/156:
"فرض على الأغنياء من أهل كل بلد أن يقوموا
بفقرائهم، ويجبرهم السلطان على ذلك إن لم تقم أموال الزكاة ولا سائر أموال
المسلمين بهم، فيقام لهم بما يأكلون من القوت الذي لا بد منه، ومن اللباس للشتاء
والصيف بمثل ذلك، وبمسكن يكنهم من المطر، والشمس، وعيون المارة".
الإمام الغزالي ت 505هـ: فرّق بين الإنفاق في وجوه الخير
والإنفاق في الهدر. قال في "إحياء علوم الدين" 3/259 في باب ذم التبذير:
"التبذير هو تضييع المال بإلقائه في المحيط، أو
تمزيق الثوب، أو هدم البناء لغير فائدة، أو تضييع الطعام بإلقائه في القمامة...
وكل ذلك حرام لأنه تفويت لمقاصد الأموال التي جعلها الله قيامًا للناس".
الحافظ ابن حجر العسقلاني ت 852هـ: في شرحه لحديث النهي
عن إضاعة المال، قال في "فتح الباري" 5/71:
"إضاعة المال هي صرفه في غير وجوهه المأذون فيها
شرعًا، سواء كانت دينية أو دنيوية، ويدخل في ذلك ترك حفظه حتى يضيع، أو استهلاكه
على وجه السرف والتبذير".
ثانيًا: آراء المجامع الفقهية والعلماء حديثًا
أكدت الفتاوى المعاصرة على وجوب تنظيم عملية حفظ النعم
وتدوير الفائض.
قرار مجمع الفقه الإسلامي الدولي المنبثق عن منظمة
التعاون الإسلامي:
في قراراته المتعلقة بالأمن الغذائي وحفظ النعم، أكد
المجمع على حرمة الهدر والإسراف، وطالب الحكومات بوضع أطر قانونية تلزم الفنادق
والمطاعم بالتعاون مع بنوك الطعام لتوزيع الفائض الصالح للاستهلاك البشري.
اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء السعودية الفتوى
رقم 18664:
"فائض الطعام من الولائم والحفلات والفنادق لا يجوز
إلقاؤه في المزابل وأماكن القاذورات، بل يجب على أصحابها حفظه وتوزيعه على الفقراء
والمحتاجين، أو دفعه لمن يقوم بذلك من الجمعيات الخيرية، فإن كان غير صالح للأكل،
فإنه يعطى للدواب أو يُجعل سمادًا، إكرامًا لنعمة الله وحفاظًا عليها".
القواعد الفقهية الحاكمة:
تتحكم في هذه المسألة عدة قواعد فقهية كلية تنظم هذه
المسألة وأشباهها، ومنها:
قاعدة "لا ضرر ولا ضرار":
إتلاف الطعام يُحدث ضررًا اقتصاديًّا بالمنشأة والمجتمع،
وضررًا بيئيًّا عبر زيادة الانبعاثات الكربونية والميثان في المزابل، فضلاً عن
الضرر اللاحق بالفقراء لحرمانهم منه. والشرع يوجب إزالة هذا الضرر.
قاعدة "تصرف الإمام على الرعية منوط
بالمصلحة":
تمنح هذه القاعدة الحق للدولة في التدخل لسن قوانين
إلزامية تجبر المطاعم والفنادق على إعادة تدوير الطعام أو التبرع به، وتوقيع
عقوبات جنائية أو مالية تعزيرية على من يخالف ذلك، لأن المصلحة العامة تقتضي حفظ
موارد الدولة الغذائية.
قاعدة "ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب":
بما أن إطعام الجائع وسد حاجة المسكين واجب شرعي على
المجتمع، وحفظ الطعام من الفساد واجب أيضًا، فإن إنشاء منظومات داخل الفنادق مثل
أدوات التبريد، والتعليب، والتعاقد مع بنوك الطعام يصبح واجباً شرعياً تلتزم به
هذه المؤسسات.
قاعدة "العرف مُحكّم":
العرف المعاصر في قطاع الضيافة أصبح يتيح ويمهد لعمليات
فرز وفصل الأطعمة وتعبئتها بشكل صحي؛ لذا لم يعد هناك عذر لوجستي يبرر الإتلاف.
البعد التربوي، التدريبي، والبيئي في قطاع الضيافة:
إن معالجة هذه الأزمة لا تتوقف عند إيجاد البديل الفقهي،
بل تمتد لتغيير الثقافة والسلوك المؤسسي عبر ثلاثة محاور أساسية:
1. التدريب الشرعي والأخلاقي للعاملين
يجب أن يخضع الطهاة، وموظفو الخدمة، والإداريون في
المطاعم والفنادق لبرامج توعية وتدريب شرعي يرسخ مفاهيم الأمانة والاستخلاف. يجب
أن يدرك الموظف من الطاهي الذي يحدد الكميات إلى عامل الصالة أن النعم أمانة في
يده، وأن تعمُّد طبخ كميات تفوق الحاجة بكثير دون خطة تدوير هو إثم شرعي يشترك فيه
الجميع، وتعليمهم أدب التعامل مع النعمة كما كان يفعل النبي ﷺ في تعظيم القوت
واللقمة.
2. التدريب البيئي والعملي
من الضروري تدريب أطقم العمل على تقنيات "الإدارة
المستدامة للمطبخ"، وتشمل:
الهندسة الغذائية: تقدير كميات المكونات بدقة بناءً على
نسب الإشغال الفعلية للفندق.
الفرز الآمن: تدريب العاملين على فرز الفائض فورًا
فالصالح من الطعام يعبأ للآدميين؛ والبقايا أطباق تفصل لغايات إعادة التدوير
العضوي أو كأعلاف.
3. إدراج المعايير البيئية والشرعية في تقييم المنشآت
النجوم الخضراء
لحث الفنادق والمطاعم الكبرى على الالتزام، لا بد من ربط
تصنيفها السياحي والرقابي نظام النجوم بمدى التزامها بالمعايير البيئية.
مؤشر صفر هدر: إدراج بند أساسي في تقييم المطاعم يقيس حجم النفايات الغذائية
اليومية مقارنة بعدد الزبائن.
شهادة الامتثال البيئي والشرعي: تمنح الجهات الرقابية درجات تقييم أعلى للمنشآت
التي تملك عقوداً نشطة مع جمعيات حفظ النعمة وبنوك الطعام، وتلك التي تستخدم
مفرزات ومكيفات ذكية لتحويل التالف إلى سماد. هذا الربط يجعل من حفظ الطعام ميزة
تنافسية تسويقية وتجارية، وليس مجرد عبء. والله
تعالى أعلى وأعلم.
روابط
ذات صلة:
هدر الطعام في الوطن العربي.. 150 مليار دولار تُدفن في النفايات!