أنا وزوجي الراحل قمنا بتجميد بويضات ملقحة في مركز طبي قبل ثلاث سنوات بسبب ظرف طبي منعنا من الإنجاب حينها. توفي زوجي في حادث منذ سنة وانتهت عدتي، وأشعر بوحدة شديدة وأرغب بطفل منه؛ فهل يجوز لي زراعة هذه البويضة الملقحة الآن، وهل يُنسب الطفل لوالده المتوفى ويرثه؟
الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده،
وبعد:
فأهلاً وسهلاً ومرحبًا بك أختي الكريمة، قضايا الأجنة
المجمدة والإنجاب منها بعد الوفاة تعد من الأدق والأعقد في فقه النوازل المعاصرة،
حيث تتداخل فيها عواطف ومشاعر إنسانية وفطرية مع مقاصد الشريعة الكبرى المتعلقة
بحفظ الأنساب والأعراض، وحفظ الأعراض واحدة من خمس قضايا كبرى اعتبرتها الشريعة
أسمى مقاصدها.
ولا شك أن الشريعة الإسلامية جاءت بالعدل والرحمة، وحثت
على طلب الولد وتكوين الأسرة، إلا أنها أحاطت الفروج والأنساب بأسوار مشددة من
الحيطة والحذر؛ صيانةً للمجتمع من الاختلاط والفساد. ونعزي السائلة في فقد زوجها،
ونسأل الله أن يربط على قلبها ويهون وحدتها.
والنظر الفقهي في هذه المسألة لا يقف عند حدود الرغبة
العاطفية المشروعة في الأمومة، بل يتعداه إلى فحص الآثار والعلل المترتبة على
إنتاج طفل خارج إطار عقد الزوجية القائم؛ إذ إن الموت ينهي العلاقة الزوجية وتترتب
عليه أحكام البينونة والانفصال.
والسماح بمثل هذا الفعل، يفتح أبواب أضرار اجتماعية
ونفسية وشرعية بالغة، من أبرزها خطورة اختلاط الأنساب وتدليسها نتيجة ضعف الرقابة
على هذه الأجنة في المراكز الطبية بعد وفاة صاحب الحيوانات المنوية، أو تلاعب
امرأة لا دين لها بنسبة ولد إلى غير أبيه، طمعًا بميراث أو تغطية لفضيحة، وباب
الشرور لا ينغلق.
بالإضافة إلى الإضرار بحق الطفل الناشئ الذي سيعيش يتيمًا
منذ لحظة تكوينه الأولى دون أب يرعاه ويقوم على شؤونه، فضلاً عن الاضطراب الكبير
الذي يلحق بنظام المواريث والتركات؛ حيث سيؤدي ذلك إلى زعزعة استقرار القسمة
الشرعية وتأخير حقوق الورثة الآخرين، أو إدخال وارث جديد بعد تصفية التركة، مما
يولد نزاعات وشقاقات أسرية لا تنتهي.
غير أن الشريعة لم تغلق الباب أمام عاطفة الأمومة،
فأختنا السائلة بعد انقضاء عدتها قد سمحت لها الشريعة بالزواج من شخص آخر، وطلب
الأنس والولد بطريق الفطرة والطبيعة، وليس بطريق الذين اتبعوا خطوات الشيطان وضلوا
ضلالاً مبينًا.
اختصارًا: لا
يجوز شرعًا زراعة هذه البويضة الملقحة بعد وفاة الزوج وانقضاء العدة، والواجب هو
إتلاف هذه الأجنة المجمدة أو تركها دون تجديد حفظها، وذلك لأن شرط جواز الإنجاب
بالوسائل الطبية المساعدة كأطفال الأنابيب هو استمرار قيام العلاقة الزوجية بين
الطرفين وقت زرع البويضة في الرحم. وبما أن الزوج قد توفي، فقد انفسخ عقد النكاح
بالوفاة، وصارت المرأة أجنبية عن المتوفى، فلا يحل زرع نطفته فيها.
ولو خالفت السائلة وزرعت البويضة، فإن الطفل الناتِج لا
يُنسب شرعًا لوالده المتوفى، ولا يرث منه؛ لأن من شروط الإرث تحقق حياة الوارث وقت
موت المورث، أو أن يكون جنينًا في بطن أمه وقت الوفاة وينزل حيًّا لمدّة أقصاها
مدة الحمل المعتبرة، وهو ما لا ينطبق على جنين الأنابيب المجمد، لا شرعًا ولا
قانونًا.
وتفصيلاً: فإن
الاجتهاد الفقهي الجماعي في العصر الحديث قد بني على قواعد سد الذرائع وحفظ
الفروج.
1. تأصيل الفقهاء قديمًا في انتهاء الزوجية بالوفاة
وشروط إرث الحمل
اتفق الفقهاء قديمًا على أن الموت ينهي أحكام النكاح
القائم، ووضعوا ضوابط دقيقة لإرث جنين الحمل المستكن، فقد أقروا بانقطاع النكاح
بالموت وجواز الحمل المستكن فقط، جاء في المغني لابن قدامة: «الموت ينهي النكاح...
وإذا مات الرجل وله امرأة حامل، وُقِفَ للحمل من ماله نصيب... بشرط أن يعلم وجوده
في البطن عند الموت».
شرط إرث الجنين أن يكون علوقه في بطن أمه قبل الوفاة:
جاء في المهذب للشيرازي الشافعي: «وشرط إرث الحمل أمرين:
أحدهما أن يعلم وجوده في بطن الأم عند موت المورث، والثاني أن ينفصل حيًّا».
والبويضة المجمدة في المركز الطبي ليست حملًا مستكنًا في البطن وقت الموت.
2. آراء المجامع الفقهية والهيئات حديثًا في الأجنة
المجمدة
اتفقت كلمة المجامع الفقهية المعاصرة على تحريم الإنجاب
من الزوج المتوفى باستخدام التقنيات الطبية:
قرار مجمع الفقه الإسلامي الدولي المنبثق عن منظمة
التعاون الإسلامي: في قراره رقم 16 4/3 بشأن أطفال الأنابيب، جاء فيه حظر قاطع
لهذه الصورة:
«الطريقة السابعة: أن تؤخذ النطفة من زوج والبويضة من
زوجته ويتم التلقيح خارجيًّا ثم تزرع في رحم الزوجة... هذه الطريقة جائزة مقبولة
في ذاتها بشرط استمرار الزوجية، أما إذا وقع الزرع بعد وفاة الزوج فإنها تُصبح
محرمة؛ لزوال الرابطة الزوجية بالموت».
قرار المجمع الفقهي الإسلامي برابطة العالم الإسلامي: في
دورته السابعة عشرة، أكد القرار على منع استخدام الأجنة المجمدة بعد الوفاة:
«يحرم تمامًا استخدام البويضات الملقحة المجمدة بعد وفاة
أحد الزوجين، ويجب التخلص منها؛ نظرًا لانفصام العلاقة الزوجية، ولقطع دابر
المفاسد المتعلقة بالنسب والإرث».
الفتوى الصادرة عن اللجنة الدائمة للبحوث العلمية
والإفتاء:
«إذا مات الزوج قبل وضع البويضة الملقحة في رحم زوجته،
حرم وضعها فيه؛ لأن الموت ينهي الزوجية، وصارت المرأة في حُكم الأجنبية بالنسبة
لماء المتوفى».
القواعد الفقهية الحاكمة
تتحكم في هذه النازلة الطبية عدة قواعد فقهية كلية تدرأ
المفاسد وتقدمها على المصالح الخاصة، منها:
قاعدة "درء المفاسد أولى من جلب المصالح":
مصلحة السائلة هنا هي مصلحة شخصية عاطفية دفع الوحدة
وتحقيق الأمومة، لكنها تتصادم مع مفاسد عامة كبرى ذكرناها في مقدمة الفتوى كاضطراب
نظام الأنساب، تشتت نظام المواريث، وولادة طفل يتيم بلا أب شرعي يرعاه؛ لذا يُقدم
دفع هذه المفاسد العامة على جلب تلك المصلحة الخاصة.
قاعدة "الوجود الشرعي كالوجود الحقيقي":
الحل الشرعي لعملية التلقيح مرتبط بوجود عقد الزوجية،
فإذا انعدم العقد بالموت، انعدم الحل تبعًا له، فالتابع يتبع المتبوع.
قاعدة "الاحتياط في الأنساب والفروج واجب":
تختلف المعاملات المالية التي تُبنى على التسامح عن
مسائل الفروج والأنساب التي تُبنى على التشدد والاحتياط؛ لذا يمنع الفقهاء
المعاصرون أي وسيلة تحتمل اللبس أو تفتح بابًا لخلط المياه وتشابك الأنساب في غياب
الزوج وصاحب النطفة.
قاعدة "يتحمل الضرر الخاص لدفع الضرر العام":
حرمان الأرملة من الإنجاب من زوجها الراحل يمثل ضررًا
خاصًّا، ولكن السماح بفتح هذا الباب سيؤدي إلى ضرر عام يمس استقرار الأحكام
القضائية والشرعية للتركات والعائلات في المجتمع؛ فيُتحمل ضررها الخاص حمايةً
للمجتمع من الضرر العام. والله تعالى أعلى
وأعلم.
روابط
ذات صلة: