ماذا يفعل «المغترب» مع أهل يثقلونه بالمطالب المادية؟

<p class="MsoNormal" dir="RTL" style="text-align:justify"><span lang="AR-SA" style="font-size: 18pt; background-image: initial; background-position: initial; background-size: initial; background-repeat: initial; background-attachment: initial; background-origin: initial; background-clip: initial;">السلام عليكم، أنا مغترب ومعي أسرتي، ومصاريف الحياة في الغربة كبيرة وتشتمل على إيجار الشقة التي نسكن بها ومصاريف مدارس الأولاد وجامعاتهم، فضلا عن المصاريف اليومية. <o:p></o:p></span></p> <p class="MsoNormal" dir="RTL" style="text-align:justify"><span lang="AR-SA" style="font-size: 18pt; background-image: initial; background-position: initial; background-size: initial; background-repeat: initial; background-attachment: initial; background-origin: initial; background-clip: initial;">في ظل هذه المتطلبات يتصل بي أهلي من حين لآخر يطلبون المساعدة المالية لحل مشكلات تخص حياتهم الشكلية، ويعتبرون مطلبهم إلزاما لي، لمجرد أني أعمل بالخارج ويظنون أن دخلي كبير ولدي فائض! <o:p></o:p></span></p> <p class="MsoNormal" dir="RTL" style="text-align:justify"><span lang="AR-SA" style="font-size: 18pt; background-image: initial; background-position: initial; background-size: initial; background-repeat: initial; background-attachment: initial; background-origin: initial; background-clip: initial;">ورغم ظروفي في الغربة أضطر للاستجابة لطلبهم حتى لو تطلب الأمر الاستدانة!<o:p></o:p></span></p> <p class="MsoNormal" dir="RTL" style="text-align:justify"><span lang="AR-SA" style="font-size: 18pt; background-image: initial; background-position: initial; background-size: initial; background-repeat: initial; background-attachment: initial; background-origin: initial; background-clip: initial;">الغريب أنه إذا كانت هناك مشكلة أبلغوني بها، أتابع معهم فيها لكنهم لا يتصلون بي إذا تم حلها حتى أطمئن عليهم! فأصاب بالتوتر والعصبية، وأصبحت أقلق من أي اتصال يأتيني منهم، وأقوم مفزوعا إذا كنت نائما لأن اتصالاتهم ليس لها موعد محدد، فربما تأتيني فجرا أو بعد منتصف الليل</span><span dir="LTR"></span><span dir="LTR"></span><span dir="LTR" style="font-size: 18pt; background-image: initial; background-position: initial; background-size: initial; background-repeat: initial; background-attachment: initial; background-origin: initial; background-clip: initial;"><span dir="LTR"></span><span dir="LTR"></span>.</span><span lang="AR-SA" style="font-size: 18pt; background-image: initial; background-position: initial; background-size: initial; background-repeat: initial; background-attachment: initial; background-origin: initial; background-clip: initial;"><o:p></o:p></span></p> <p class="MsoNormal" dir="RTL" style="text-align:justify"><span lang="AR-SA" style="font-size: 18pt; background-image: initial; background-position: initial; background-size: initial; background-repeat: initial; background-attachment: initial; background-origin: initial; background-clip: initial;">كيف السبيل ليصدقوا أني لست بهذا الثراء الذي يظنونه ويعذرونني؟<o:p></o:p></span></p> <span lang="AR-SA" dir="RTL" style="font-size: 18pt; font-family: &quot;Simplified Arabic&quot;, serif; background-image: initial; background-position: initial; background-size: initial; background-repeat: initial; background-attachment: initial; background-origin: initial; background-clip: initial;">وماذا أفعل لأشعرهم أنهم يضغطون عليَّ نفسيًا وماديًا دون أن أغضبهم أو تحدث قطيعة بيني وبينهم؟</span>

وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته، ومرحبًا بك أخي الفاضل، وأشكرك على ثقتك بنا وتواصلك معنا، وأسأل الله أن يفرج همك، ويكشف كربك، ويرزقك من واسع فضله، وأن يؤلف بينك وبين أهلك، ويجعل الغربة بردًا وسلامًا عليك وعلى أسرتك الكريمة، وبعد...

 

فإن ما تعيشه يا أخي هو تحدٍّ كبير يعيشه كثير من المغتربين؛ حيث يقع المغترب بين مطرقة التزاماته الحياتية الثقيلة في بلاد الغربة، وسندان نظرة الأهل في الوطن التي ترى المغترب منجمًا للذهب لا ينضب! وتغفل عن حجم المعاناة والضرائب النفسية والمادية التي يدفعها كل يوم.

 

وشعورك بالتوتر والقلق والفزع هو مؤشر إلى وصولك إلى مرحلة من الاحتراق النفسي والمادي، وسأحاول معك الخروج من هذه الأزمة، دون أن تغضب ربك، أو تقطع رحمك.

 

وقبل أن ندخل في الحلول العملية، يجب أن نزن الأمر بميزان الشرع الحكيم، حتى تطمئن نفسك ولا يقلقك شعور بالذنب.

 

صلة الرحم وحدود النفقة

 

إن الإسلام دين التوازن؛ فقد أمر ببر الوالدين وصلة الأرحام؛ لكنه لم يأمر الإنسان بإهلاك نفسه أو الاستدانة من أجل كماليات الآخرين. قال الله –تعالى- في محكم التنزيل: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ [البقرة: 286]، وقال –سبحانه- في وصف عباد الرحمن: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا أَنفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَٰلِكَ قَوَامًا﴾ [الفرقان: 67].

 

فالنفقة الواجبة شرعًا على الأهل مشروطة بفقرهم وحاجتهم الأساسية (طعام، شراب، مسكن، علاج) وقدرة الابن المادية وفضلها عن قُوته وقُوت عياله. أما المشكلات الشكلية أو الكمالية، فلا يجب عليك شرعًا سدادها؛ خصوصًا إذا كان ذلك يدفعك للاستدانة.

 

لا ضرر ولا ضرار

 

يقول النبي : «لَا ضَرَرَ وَلَا ضِرَارَ» [رواه ابن ماجة]. واستدانتك وضغطك النفسي الذي جعلك تفزع من نومك هو ضرر محقق ببدنك وعقلك وأسرتك التي تعولها، والنبي قال أيضًا: «كَفَى بِالْمَرْءِ إِثْمًا أَنْ يُضَيِّعَ مَنْ يَقُوتُ» [رواه أبو داود]. فبيتك وأولادك هم أولى أولوياتك ماديًّا بعد كفايتك لنفسك.

 

ودعني أخي الفاضل أتخيل معك حال رجل مغترب كان يرسل كل ما يملك لأهله لمساعدتهم في تجديد أثاثهم وتغيير سياراتهم، وكان يتحامل على نفسه بالاستدانة حتى يظل البطل المحسن في أعينهم. وتمر السنوات، وفجأة –لأي سبب- يخسر هذا الرجل وظيفته ويعود إلى بلده مثقلًا بالديون، فلا يجد من أهله إلا العتاب واللوم لأن المساعدات انقطعت، ولا يجد أحدًا منهم يسد عنه دينه!

 

إن العطاء غير المشروط وغير المتزن يُفسد العلاقات الإنسانية، ويخلق حالة من الاتكالية، ويجعل الأهل يحبون مال المغترب وعطاءه ونفقته لا شخصه.

 

كيف يصدقون أنك لست ثريًّا ويعذرونك؟

 

إن تغيير الصورة الذهنية الراسخة في عقول الأهل يحتاج إلى الصراحة والشفافية، ويمكنك تحقيق ذلك عبر الخطوات التالية:

 

- لغة الأرقام: الأهل في الغالب لا يعرفون قيمة إيجار شقتك، ولا مصاريف مدارس أولادك، ولا الضرائب، ولا تكاليف المعيشة في الخارج. ففي جلسة صفاء معهم (عبر الفيديو)، تحدث معهم بعفوية عن غلاء الأسعار، وقل مثلًا: «الحمد لله مستورة، لكن والله يا فلان، المصاريف هنا تبتلع الدخل، إيجار البيت وحده يأخذ كذا، ومصاريف الأولاد كذا، وما يتبقى يكفينا بالكاد للشهر».

 

- إيقاف الاستدانة فورًا: عندما تستدين لتلبِّي طلبهم، فأنت ترسل لهم رسالة غير مباشرة مفادها: «أنا بخير ولديَّ فائض من المال دائمًا»، فهم لا يرون حزنك ولا همك ولا ديونك، بل يرون المال الذي وصلهم فقط!

 

فعندما يطلبون شيئًا فوق طاقتك، قل بوضوح وأدب: «والله يا أهلي الكرام، أحب أن أساعدكم، وأسعد بذلك؛ لكني لا أملك هذا المبلغ حاليًا».

 

- دَع الواقع يشهد: عندما يزورك أحد من أهلك أو تتحدث معهم عن تفاصيل حياتك، لا تظهر بمظهر المترَف؛ بل اجعلهم يرون طبيعة حياتك العادية والجهد الذي تبذله في عملك لتوفير لقمة العيش.

 

كيف تشعرهم بضغوطهم عليك دون قطيعة أو غضب؟

 

عليك يا أخي وضع بعض الحدود، من خلال ما يلي:

 

- عتاب المحب: اختر وقتًا هادئًا لا طلب فيه ولا مشكلة، واتصل بأهلك، وقل لهم بهدوء: «أنا أحبكم وأشتاق إليكم، والغُربة مؤلمة، لكني والله حزين؛ لأنني لا أسمع أصواتكم إلا إذا كانت لديكم مشكلة مادية أو طلب ما! أتمنى أن نتواصل ليطمئن كل منا على الآخر، وأسمع أخباركم الطيبة. والله إن اتصالاتكم المفاجئة في أنصاف الليالي باتت تفزعني وتجعلني أظن أن مكروهًا قد أصابكم، مما أثر على صحتي ونفسيتي».

 

- تنظيم أوقات الاتصال: استخدم خاصية «عدم الإزعاج» في هاتفك لضبط ساعات نومك، مع استثناء أرقام محددة جدًّا للطوارئ القصوى. وعوِّدهم على مواعيد ثابتة للاتصال الأسبوعي (مثلًا يوم الجمعة بعد الصلاة)، واجعل هذا الموعد مخصصًا لتبادل الأحاديث الودية والاطمئنان.

 

- ضع مبلغًا محددًا للمساعدات: بدلًا من ترك الباب مفتوحًا لكل طلب، حدد مبلغًا شهريًّا أو موسميًّا ثابتًا، حسب استطاعتك ودون استدانة، ترسله لهم بنية صلة الرحم والبر، وقل لهم: «هذا المبلغ هو أقصى ما أستطيع اقتطاعه من قوت أولادي شهريًّا، تصرَّفوا فيه كما ترون، ولن أتمكن من إرسال أي مبالغ أخرى خارج هذا النطاق لالتزاماتي الصارمة». فهذا يجعلهم يضعون حدودًا لطلباتهم.

 

- متابعة حل مشكلاتهم: إذا اتصلوا لعرض مشكلة، وساعدتهم أو لم تستطع، اتصل أنت بعد أيام وقل: «بشروني، ماذا حدث في الموضوع الفلاني؟ أحببت أن أطمئن». هذا يعلمهم بطريقة غير مباشرة أنك تتابع، وأنك إنسان يهتم بالنتيجة المعنوية، وليس مجرد آلة صراف آلي ينتهي دورها بإرسال الحوالة.

 

أهلًا بك مجددًا أخي الغالي. هذا التساؤل ذكي وجوهري جدًا، لأن الخوف من ردة فعل الأهل (الغضب أو القطيعة) هو القيد الحقيقي الذي يجعلك تستسلم لضغوطهم وتستدين.

 

إليك هذه الفقرة المفصلة والموسعة لتضاف إلى صلب الإجابة السابقة، مصاغة بنفس الطابع والروح الشرعية والتربوية والعملية:

 

ماذا لو غضبوا منك أو قطعوك؟

 

أخي الحبيب، وارد جدًّا إن فعلتَ ما اقترحته عليك أن يغضب الأهل أو يهجروك ويقاطعوك؛ فالإنسان إذا اعتاد على أخذ شيء وظن أنه حق مكتسب، يصاب بالصدمة والرفض عند توقفه. وقد لا تتحمل ذلك، فتجلد ذاتك وتتراجع.

 

لكن عليك أن تطمئن بأنك لم تقطعهم؛ بل هم الذين غضبوا لأنك لم تنفذ رغبة كمالية فوق طاقتك. والشرع الحكيم لا يعتبرك عاقًّا ولا قاطعًا في هذه الحالة.

 

إذن، ماذا تفعل إن حدث هذا الجفاء أو الغضب منهم؟

 

1- الثبات النفسي واليقين الشرعي: أول ما تحتاجه هو ألا تنهار نفسيًّا ولا تتراجع تحت ضغط الغضب. تذكَّر أنك لم تظلمهم، فقد جاء رجل إلى النبي فقال: يا رسول الله، إن لي قرابة أصلهم ويقطعوني، وأحسن إليهم ويسيئون إلي، وأحلم عنهم ويجهلون علي، فقال صلى الله عليه وسلم: «إِنْ كُنْتَ كَمَا قُلْتَ، فَكَأَنَّمَا تُسِفُّهُمُ الْمَلَّ (الرماد الحار)، وَلَا يَزَالُ مَعَكَ مِنَ اللهِ ظَهِيرٌ عَلَيْهِمْ مَا دُمْتَ عَلَى ذَلِكَ» [رواه مسلم]. فالحق معك، والله يعينك ما دمت لم تبدأ بالإساءة.

 

2- عدم المعاملة بالمثل: لا تقابل الجفاء بالجفاء؛ لأن النبي يقول: «لَيْسَ الْوَاصِلُ بِالْمُكَافِئِ، وَلَكِنَّ الْوَاصِلَ الَّذِي إِذَا قُطِعَتْ رَحِمُهُ وَصَلَهَا» [رواه البخاري]. فاستمر في إرسال رسائل الاطمئنان بانتظام حتى لو لم يردوا، أو ردوا باقتضاب، وذل بنية الإعذار إلى الله. ومع الوقت ستذيب الرسائل جبل الجليد في قلوبهم بإذن الله.

 

3- الهدايا الرمزية: إن الهدية لها مفعول السحر في تصحيح العلاقات، والنبي يقول: «تَهَادَوْا تَحَابُّوا» [رواه البخاري في الأدب المفرد]. فبدلًا من إرسال مبالغ مالية ضخمة ترهقك، انتهز فرصة سفر أحد أصدقائك إلى بلدك، وأرسل معه هدايا رمزية، فهذه الهدايا تقول لهم: «أنا أحبكم وأفكر فيكم دائمًا».

 

4- الاستعانة بوسيط حكيم: ابحث عن شخص من العائلة يحبه أهلك ويحترمونه، واشرح له وضعك الحقيقي بمنتهى الصدق، واطلب منه التدخل بحكمة ليوصل إليهم فكرة أن يتقوا الله فيك، وأنك تعاني في الغربة، وأنك لا تنام لتلبي طلباتهم، وتتحرج من الرفض، وينصحهم بألا يضغطوا عليك حتى لا تخسر وظيفتك أو تضيع صحتك. ويؤكد عليهم أن تقليل المساعدة منك لهم ليس جحودًا ولا بُخلًا، وإنما هو عجز حقيقي وعدم قدرة.

 

وختامًا أخي الحبيب، إن البر والصلة لا يعنيان تدمير استقرار بيتك ونفسيتك. أهلك يحبونك بلا شك، ولكنهم يجهلون واقعك. وعندما تضع الحدود بأدب، وكلمة طيبة، وحزم في الوقت نفسه، سيعتادون على الوضع الجديد. قد تجد في البداية بعض العتاب أو التغير في المعاملة، فتحمَّله بالصبر والدعاء، ومع الوقت سيتفهمون ويعذرونك.

 

اللهم يا فارج الهم، ويا كاشف الغم، فرِّج هم أخينا الكريم، واقضِ دينه، ووسِّع في رزقه، وبارك له في زوجته وذريته. اللهم اجعل عمله في الغربة مباركًا، واكفه بحلالك عن حرامك وبفضلك عمن سواك. اللهم ألف بينه وبين أهله، واجعلهم عونًا له لا عبئًا عليه، واشرح صدره ويسِّر أمره، اللهم آمين، والحمد لله رب العالمين.

 

روابط ذات صلة:

«الإخوة» يستبيحون أشيائي.. الإيثار لا يُفرض

بعد سنوات الغُربة.. كيف نسُدُّ الفجوة العاطفية مع الأبناء؟