أريد استثمار أموالي في أسهم شركة طيران معروفة، نشاطها الأساسي نقل الركاب وهو حلال، لكنني قرأت في قوائمها المالية أنها تضع فائض أموالها في ودائع بنكية بفائدة، وتقترض أحياناً بفوائد لتمويل طائراتها؛ فهل يجوز لي شراء أسهم هذه الشركة "المختلطة" وكيف أطهر أرباحي إن جاز ذلك؟
الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده،
وبعد:
فأهلاً وسهلاً ومرحبًا بك أخي الكريم، وإن طيب الكسب
وتحري الحلال في المعاملات المالية هو أصل من أصول الدين، وثمرة من ثمرات تقوى
القلوب؛ فالجسم الذي يتغذى على الحلال يوفق للطاعة، والدعاء لا يُقبل إلا بالطيب
من القول والعمل.
ومع التطور الهائل في المنظومة الاقتصادية المعاصرة
وظهور الشركات المساهمة العملاقة، واجه المسلمون معضلة تداخل المعاملات الربوية مع
الأنشطة الاستثمارية المباحة في سائر الشركات الخدمية والصناعية كشركات الطيران
والتكنولوجيا؛ وهو ما يُعرف في الفقه الإسلامي المعاصر بمسألة "الأسهم
المختلطة". وقد بذل علماء الأمة ومجامعها الفقهية جهودًا كبيرة لتحرير هذه
المسألة وموازنة المصالح والمفاسد فيها، بما يحفظ على المسلم دينه ويواكب متطلبات
العصر.
اختصارًا: الشركة
التي ذكرتَها شركة الطيران تُصنف فقهيًّا بأنها من "الأسهم المختلطة"؛
لأن نشاطها الأساسي والتشغيلي مباح شرعًا نقل الركاب والشحن، ولكنها تمارس بعض
المعاملات المحرمة كالاقتراض بفائدة لتمويل الأصول أو إيداع الفوائض في البنوك
الربوية.
وفي حكم الاستثمار في هذه الأسهم اتجاهان رئيسان بين
العلماء المعاصرين والمجامع الفقهية:
الاتجاه الأول: التحريم المطلق ومنع الشراء أو التداول؛ فرارًا من شبهة الربا وإقرار
المعاملات المحرمة، وهو الأحوط والأبرأ للذمة، وهو قول مجامع الفقه الرسمية
والشيخين ابن باز وابن عثيمين.
الاتجاه الثاني: الجواز المشروط بالحاجة وعموم البلوى، بشرط ألّا تتجاوز المعاملات
الربوية نسبًا وضوابط مالية دقيقة، مع وجوب "التطهير" بإخراج النسبة
المحرمة من الأرباح الموزعة، وهو قول طائفة من كبار العلماء كالدكتور يوسف
القرضاوي وعدد من الهيئات الشرعية للمؤسسات المالية كالهيئة الشرعية للمراجعة
والمحاسبة أيوفي.
إذا اخترتَ الأخذ بالرأي الثاني وهو الجواز المشروط، فإن
طريقة التطهير تتمثل في حساب نسبة الإيرادات المحرمة الفوائد البنكية الدائنة من
إجمالي إيرادات الشركة، ثم إخراج هذه النسبة تمامًا من الأرباح السنوية الموزعة
التي تستلمها، وصرفها في وجوه الخير والمنافع العامة دون نية الصدقة.
وتفصيلاً:
لم يختلف العلماء قديمًا وحديثًا في حرمة الشركات التي
يكون أصل نشاطها محرمًا كالبنوك الربوية أو شركات الخمور، لكن الاختلاف المعاصر
انصبّ على الشركات ذات النشاط المباح التي تداخلت في قوائمها المالية بعض
المعاملات الربوية إيداعًا أو اقتراضًا.
الرأي الأول: التحريم المطلق لجميع الأسهم المختلطة
يرى أصحاب هذا القول أنه لا يجوز شراء أسهم هذه الشركات
ولا الاستثمار فيها مطلقًا؛ لأن المساهم يعتبر شريكًا في الشركة بنسبة سهمه،
والشركة تتصرف باسم الشركاء وتتعامل بالربا، والرضا بالمساهمة فيها هو رضا
بالمعاملة الربوية وتوكيل للإدارة بها، وهو أمر محرم لا تبيحه الضوابط الشرعية.
قرار مجمع الفقه الإسلامي الدولي التابع لمنظمة التعاون
الإسلامي: في قراراه رقم 63 1/7 بشأن الأسهم، نصّ صراحة على ما يلي:
"بما أن المساهم في الشركة يملك حصة مشاعة من
موجوداتها، ويستحق نصيبًا من أرباحها، ويكون شريكًا في إدارتها... فإنه لا يجوز
لمسلم شراء أسهم الشركات التي تتعامل أحيانًا بالربا، أو غيره من المحرمات،
كالشركات التي أصل نشاطها مباح ولكنها تقترض بالربا أو تودع بالربا". وهو ذات
الموقف الذي اتخذه مجمع الفقه الإسلامي التابع لرابطة العالم الإسلامي بمكة
المكرمة.
فتوى الشيخ عبد العزيز بن باز: سُئل رحمه الله عن
المساهمة في الشركات التي تتعامل بالربا أحياناً فقال كما في مجموع فتاوى ابن باز
ج 19 / ص 297:
"المساهمة في الشركات التي تودع في البنوك بفائدة
أو تقترض بفائدة لا تجوز؛ لأن ذلك مشاركة في الربا، والربا من كبائر الذنوب...
والواجب على المسلم الحذر من ذلك، وأن يكتفي بالكسب الحلال الطيب، ففي الحلال غنية
عن الحرام".
فتوى الشيخ محمد بن صالح العثيمين: سُئل في لقاءات الباب
المفتوح اللقاء رقم 45 عن حكم الأسهم المختلطة، فأجاب بما نصه:
"الأسهم التي في الشركات التي ترابي، لا يجوز
للإنسان أن يساهم فيها؛ لأن المساهم شريك، والشركة إذا كانت ترابي فالشريك
مرابٍ... وتسمية ذلك بالأسهم المختلطة لا يرفع عنها وصف الحرمة، لأن النسبة
المحرمة وإن قلت تشوه المال كله".
الرأي الثاني: الجواز المشروط بضوابط مالية مع وجوب
التطهير
يرى أصحاب هذا الرأي أن التضييق بمنع الاستثمار في كافة
الشركات المساهمة المعاصرة يؤدي إلى تعطيل مصالح المسلمين الاقتصادية وإقصائهم عن
الأسواق العالمية؛ نظرًا لأن النظام المالي العالمي مبني على الربا وتكاد لا تخلو
شركة من الاقتراض أو الإيداع. وبناءً على فقه التيسير وعموم البلوى، أجازوا
الاستثمار بشرطين: أن يكون النشاط الأساسي حلالاً تمامًا كشركة الطيران، وألّا
تتعدى المعاملات الربوية حدودًا معينة، مع وجوب التخلص من الجزء المحرم.
رأي الدكتور يوسف القرضاوي: ذكر رحمه الله في كتاباته
وفتاواه المعاصرة مثل فتاوى معاصرة وفقه الزكاة أن الحاجة العامة تنزل منزلة
الضرورة، وأن عموم البلوى في المعاملات المالية الدولية يقتضي التخفيف. ورأى جواز
الدخول في هذه الشركات لمصلحة تنمية أموال المسلمين بشرط التزام الإدارة بالنشاط
الطيب، وبشرط أن يقوم المساهم بـ "تطهير" مال الأرباح بانتظام عبر إخراج
نسبة الفوائد من ربحه، مؤكدًا أن هذا ليس من باب إجازة الربا، بل من باب تقليل
الشر واغتنام المصالح الكبرى لئلا تُترك الأسواق لغير المسلمين.
المعايير الشرعية لهيئة AAOIFI: وضعت هيئة المحاسبة والمراجعة للمؤسسات المالية الإسلامية في
المعيار الشرعي رقم 21 ضوابط كمية صارمة للحكم بجواز التعامل في هذه الأسهم، وهي:
ألّا يتجاوز إجمالي المبلغ المقترض بالربا الديون بفوائد
نسبة 30% من القيمة السوقية لأسهم الشركة.
ألّا يتجاوز إجمالي المبلغ المودع بربا الودائع
الاستثمارية بفوائد نسبة 30% من القيمة السوقية للشركة.
ألّا يتجاوز عنصر الإيراد الناتج من مصدر محرم كفوائد
الودائع نسبة 5% من إجمالي إيرادات الشركة.
تحليل آلية تطهير الأرباح إن أخذت برأي الجواز:
التطهير واجب على مستوى "الأرباح الموزعة"
التي تقبضها فعليًّا من الشركة، ولا يجب التطهير في "الأرباح
الرأسمالية" الناتجة عن ارتفاع قيمة السهم في السوق عند البيع حسب المعتمد في
معايير أيوفي.
طريقة الحساب:
تذهب إلى القائمة المالية السنوية للشركة قائمة الدخل،
وتستخرج بند "الإيرادات الأخرى" أو "الفوائد الدائنة" الناتجة
عن الودائع. وتقسم هذا الرقم على "إجمالي إيرادات الشركة" والنسبة
المئوية الناتجة هي نسبة التطهير.
مثال: إذا كانت إيرادات الفوائد الربوية تشكل 2% من
إجمالي إيرادات الشركة، ووزعت عليك الشركة أرباحًا سنوية قدرها 1000 دينار مثلا،
فيجب عليك إخراج 20 دينارًا وصرفها في مصالح المسلمين العامة كأعمال الإغاثة، أو
تعبيد الطرق، أو مساعدة المحتاجين، مع استشعار أنك تخرج هذا المال بنية التخلص من
الخبث والكسب غير المشروع، وليس بنية الصدقة المتقبلة؛ لأن الله طيب لا يقبل إلا
طيبًا.
القواعد الفقهية الحاكمة:
قاعدة: "المشقة تجلب التيسير" وينبثق عنها
"إذا ضاق الأمر اتسع"
وهي القاعدة التي استند إليها القائلون بالجواز المشروط؛
حيث رأوا أن منع المسلمين من الاستثمار في كافة الشركات العالمية الكبرى التي لا
تنفك عن معاملات بنكية تابعة يشكل مشقة وإعناتًا وحرجًا اقتصاديًّا بالغًا،
والشريعة جاءت برفع الحرج.
قاعدة: "للأكثر حكم الكل" و"التابع
تابع"
أعملها المجيزون من باب أن النشاط الأصلي للشركة الطيران
هو الكاسح والأغلب، والمعاملة الربوية طارئة وتابعة لتمويل هذا الأصل، والتابع لا
يُفرد بحكم مستقل ما دام في حدود النسبة الضئيلة المعفو عنها فقهيًّا في باب
"يسير الغرر المعفو عنه".
قاعدة: "درء المفاسد مقدم على جلب المصالح"
وهي القاعدة الأساسية التي اتكأ عليها المانعون كابن باز
وابن عثيمين ومجمع الفقه؛ حيث اعتبروا أن مفسدة المساهمة في عقد يشتمل على ربا وهو
محرم قطعي أعظم بكثير من مصلحة تنمية المال أو الأرباح الاستثمارية المتوقعة،
وبالتالي يمنع العقد سدًّا لذرائع الحرام.
قاعدة: "الشركاء متضامنون في الكسب والتصرف"
تطبق عند المانعين لإثبات أن المساهم ليس مجرد مقرض أو
أجنبي عن الشركة، بل هو مالك لشغلها، وتصرف مجلس الإدارة في الاقتراض الربوي يقع
تحت مظلة نيابته عن المساهمين، مما يجعل الإثم ممتدًا شريطة الرضا والاستمرار. والله
تعالى أعلى وأعلم.
روابط
ذات صلة: