<div>هل يجوز لأحد الوالدين إرغام ابنهما على كيفياتٍ معينة في بعض شؤونه الشخصية؛ كإطالة شعره أو تقصيره؛ وكيفية تصفيفه مثلًا؟ وما هو ضابط صلاحيات الآباء؟</div>
الحمد
لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وبعد:
قال
الإمام الهيتمي في الفتاوى الفقهية الكبرى:
وحيث
نشأ أمر الوالد أو نهيه عن مجرد الحمق لم يلتفت إليه أخذًا مما ذكره الأئمة في
أمره لولده بطلاق زوجته.. وأمره لولده بفعل مباح لا مشقة على الولد فيه يتعين على
الولد امتثال أمره إن تأذى أذى ليس بالهين إن لم يمتثل أمره، ومحله أيضًا حيث لم
يقطع كل عاقل بأن ذلك من الأب مجرد حمق وقلة عقل لأني أقيد حل بعض المتأخرين
للعقوق بأن يفعل مع والده ما يتأذى به إيذاء ليس بالهين بما إذا كان قد يعذر عرفًا
بتأذيه به، أما إذا كان تأذيه به لا يعذره أحد به لإطباقهم على أنه إنما نشأ عن
سوء خلق وحدة حمق وقلة عقل، فلا أثر لذلك التأذي، وإلا لوجب طلاق زوجته لو أمره به
ولم يقولوا به.
فإن
قلت لو ناداه وهو في الصلاة اختلفوا في وجوب إجابته والأصح وجوبها في نفل إن تأذى
التأذي المذكور، وقضية هذا أنه حيث وجد ذلك التأذي ولو من طلبه للعلم أو زهده أو
غير ذلك من القرب لزمه إجابته، قلت هذه القضية مقيدة بما ذكرته، إن شرط ذلك التأذي
ألا يصدر عن مجرد الحمق ونحوه كما تقرر، ولقد شاهدت من بعض الآباء مع أبنائهم أمورًا
في غاية الحمق التي أوجبت لكل من سمعها أن يعذر الولد ويخطئ الوالد فلا يستبعد
ذلك.
وبهذا
يعلم أنه لا يلزم الولد امتثال أمر والده بالتزام مذهبه لأن ذاك حيث لا غرض فيه
صحيح مجرد حمق، ومع ذلك كله فليحترز الولد من مخالفة والده فلا يقدم عليها اغترارًا
بظواهر ما ذكرنا بل عليه التحري التام في ذلك... فتأمل ذلك فإنه مهم.
قال
الإمام ابن الصلاح في فتاويه:
وأما
أن العقوق ما هو فإنا قائلون فيه العقوق المحرم كل فعل يتأذى به الوالد أو نحوه
تأذيا ليس بالهين مع كونه ليس من الأفعال الواجبة وربما قيل طاعة الوالدين
واجبة في كل ما ليس بمعصية ومخالفة أمرهما في كل ذلك عقوق وقد أوجب كثير من
العلماء طاعتهما في الشبهات وليس قول من قال من علمائنا يجوز له السفر في طلب
العلم وفي التجارة بغير إذنهما مخالف لما ذكرت فإن هذا كلام مطلق وفيما ذكرته بيان
لتقييد ذلك المطلق.
قال
الإمام ابن دقيق العيد في إحكام الأحكام شرح عمدة الأحكام:
عقوق
الوالدين معدود من أكبر الكبائر في هذا الحديث ولا شك في عظم مفسدته، لعظم حق
الوالدين إلا أن ضبط الواجب من الطاعة لهما، والمحرم من العقوق لهما فيه عسر، ورتب
العقوق مختلفة، قال شيخنا الإمام أبو محمد بن عبد السلام: ولم أقف في عقوق
الوالدين، ولا فيما يختصان به من الحقوق، على ضابط أعتمد عليه. فإن ما يحرم في حق
الأجانب فهو حرام في حقهما، وما يجب للأجانب فهو واجب لهما، فلا يجب على الولد
طاعتهما في كل ما يأمران به، ولا في كل ما ينهيان عنه باتفاق العلماء، وقد حرم على
الولد السفر إلى الجهاد بغير إذنهما، لما يشق عليهما من توقع قتله، أو قطع عضو من
أعضائه، ولشدة تفجعهما على ذلك، وقد ألحق بذلك كل سفر يخافان فيه على نفسه، أو على
عضو من أعضائه، وقد ساوى الوالدان الرقيق في النفقة والكسوة
والسكنى. انتهى كلامه.
والفقهاء
قد ذكروا صورا جزئية، وتكلموا فيها منثورة، لا يحصل منها ضابط كلي فليس يبعد أن
يسلك في ذلك ما أشرنا إليه في الكبائر، وهو أن تقاس المصالح في طرف الثبوت
بالمصالح التي وجبت لأجلها، والمفاسد في طرف العدم بالمفاسد التي حرمت لأجلها.
قال
الإمام العيني في عمدة القاري:
وقال
الشيخ تقي الدين السبكي رحمه الله: إن ضابط العقوق إيذاؤهما بأي نوع كان من أنواع
الأذى. قل أو كثر نهيا عنه أو لم ينهيا أو يخالفهما فيما يأمران أو ينهيان بشرط
انتفاء المعصية في الكل وحكى قول الغزالي أن أكثر العلماء على وجوب طاعتهما في
الشبهات ووافقهما عليه وحكى قول الطرطوشي من المالكية أنهما إذا نهياه عن سنة
راتبة المرة بعد المرة أطاعهما وإن كان ذلك على الدوام فلا طاعة لهما فيه لما فيه
من إماتة الشرع ووافقه على ذلك. والله تعالى أعلى وأعلم.
روابط ذات صلة:
ما الحد الفاصل بين بر الوالدين
وتحكمهما في خياراتي الحياتية؟