<p class="MsoNormal" dir="RTL" style="margin-bottom:0cm;text-align:justify; line-height:normal;direction:rtl;unicode-bidi:embed"><span lang="AR-SA" style="font-size:14.0pt;font-family:"Simplified Arabic",serif">السلام عليكم ورحمة الله وبركاته..<o:p></o:p></span></p> <p class="MsoNormal" dir="RTL" style="margin-bottom:0cm;text-align:justify; line-height:normal;direction:rtl;unicode-bidi:embed"><span lang="AR-SA" style="font-size:14.0pt;font-family:"Simplified Arabic",serif">أنا إمام مركز إسلامي في بلد غربي، وأواجه ضغوطاً متزايدة من رواد المركز لتبني فتاوى تتسم بالتيسير الشديد في قضايا المعاملات المالية، والأحوال الشخصية، والاختلاط، تماشياً مع نمط الحياة الغربية وقوانينها.<o:p></o:p></span></p> <p class="MsoNormal" dir="RTL" style="margin-bottom:0cm;text-align:justify; line-height:normal;direction:rtl;unicode-bidi:embed"><span lang="AR-SA" style="font-size:14.0pt;font-family:"Simplified Arabic",serif">المشكلة أنني أجد نفسي حائراً بين مسلكين؛ مسلك التشديد والتمسك بالآراء الفقهية التقليدية مما يؤدي إلى تضييق شديد على المسلمين ونفورهم من المركز، ومسلك التوسع في رخص التيسير وفقه الأقليات، الذي يراه البعض مفرطاً ويكاد يذيب الفوارق بين الحلال والحرام ويميع أحكام الشريعة القطعية.<o:p></o:p></span></p> <p class="MsoNormal" dir="RTL" style="margin-bottom:0cm;text-align:justify; line-height:normal;direction:rtl;unicode-bidi:embed"><span lang="AR-SA" style="font-size:14.0pt;font-family:"Simplified Arabic",serif">كيف يمكنني كداعية ومفتٍ في بلاد الاغتراب أن أطبق فقه التيسير الشرعي الصحيح بضوابطه دون السقوط في فخ التمييع والذوبان الثقافي؟<o:p></o:p></span></p>
وعليكم السلام
ورحمة الله وبركاته، حياكم الله أيها الشيخ الفاضل والداعية المسدد، وأعانكم الله
على حمل هذه الأمانة العظيمة في ثغور الاغتراب.
وإن التوازن بين
الثبات على محكمات الشريعة وبين المراعاة المرنة لظروف العيش في بلاد المهجر يعد
من أدق المسائل المنهجية التي تحتاج إلى راسخين في العلم يجمعون بين فقه النص وفقه
الواقع، لحماية الجالية المسلمة من الانكفاء المتشدد أو الذوبان المتساهل.
إن التيسير أصل
من أصول الشريعة الإسلامية ومقصد من مقاصدها العظمى، كما قال الله تعالى في محكم
التنزيل: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾
[البقرة: 185]، وقال سبحانه: ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ
حَرَجٍ﴾ [الحج: 78]. وكان النبي ﷺ إذا خُيِّر بين أمرين إلا أخذ أيسرهما ما لم
يكن إثمًا، فإن كان إثمًا كان أبعد الناس منه.
ولكن التيسير
الشرعي ليس تشهيًّا ولا اتباعًا للأهواء، وإنما هو رخصة تنشأ عن ضرورة أو حاجة
تنزل منزلة الضرورة، وتقدر بقدرها وفق ضوابط الاستدلال الشرعي؛ فالفرق دقيق وجوهري
بين "التيسير الفقهي" القائم على الأدلة ومراعاة المقاصد عند المشقة،
وبين "التمييع والتفلت" الذي يسعى لتطويع نصوص الوحي لتوافق النموذج
المادي الغربي ولو تصادمت مع قطعيات الدين وثوابته الإجماعية.
ولتحقيق هذه
الموازنة الدقيقة على أرض الواقع، يجب على الداعية والمفتي في بلاد المهجر أن يفرق
بوضوح بين "الثوابت والقطعيات" وبين "المتغيرات والظنيات".
الثوابت كأركان
العبادات، وقطعيات المحرمات، وأصول الأخلاق، وأحكام الأسرة الكبرى، لا تتبدل ولا
يجوز التساهل فيها تحت ذريعة العيش في الغرب، بل يجب غرس الثبات عليها والاعتزاز
بها كعاصم للهوية.
أما المتغيرات
القائمة على الاجتهاد، أو المصالح المرسلة، أو الفتاوى المرتبطة بالعرف والبيئة،
فهنا يتسع المجال لإعمال "فقه الأقليات" والاستفادة من الرخص الشرعية
المعتبرة لتسهيل حياة المسلمين في معاملاتهم وشؤونهم العامة، شريطة أن يصدر ذلك عن
المجامع الفقهية المعتمدة (كمجمع فقهاء الشريعة أو المجلس الأوروبي للإفتاء) لا عن
اجتهادات فردية عفوية قد تفتقر إلى الإحاطة بالأدلة والمآلات.
ومن الناحية
العملية التطبيقية في مركزكم المبارك:
ينبغي تحويل
العمل الإفتائي والدعوي إلى مسار مؤسسي؛ من خلال إنشاء لجنة علمية استشارية
بالمركز ترتبط بالمجامع الفقهية الكبرى، لتقدم الفتاوى للجمهور بناءً على قرارات
هذه المجامع، مما يرفع الحرج والشبهة عن الإمام الفرد. كما يجب عقد ندوات تثقيفية
لرواد المركز لتعليمهم "فلسفة التشريع الإسلامي" وضوابط الرخص
والضرورات، حتى يدرك المدعو أن التمسك بالدين وثوابته ليس تزمّتًا، وأن التيسير له
أصول علمية تحميه من التحلل والذوبان الأخلاقي والقيمي.
وأنصحك ختامًا
بالآتي:
• اعتمد قرارات
المجامع الفقهية المعتبرة الخاصة بالأقليات المسلمة كمرجعية أساسية في فتواك
بالمركز، وانأ بنفسك عن الاجتهادات الشاذة والمغالية في التساهل أو التشدد، وركّز
في خطابك الدعوي على بناء "الرقابة الذاتية والورع الإيماني" في نفوس
المغتربين، فالقضية ليست مجرد البحث عن مخرج قانوني أو فقهي، بل هي طلب رضا الله
سبحانه وتعالى.
• طوّر أدوات
التواصل والتعاون مع بقية الأئمة والدعاة في مدينتك لتوحيد الخطاب الفقهي والدعوي
قدر الإمكان، منعاً لتشتت الجالية وحيرتها.
وأسأل الله العلي
القدير أن يثبتك على الحق، وأن يرزقك سداد الرأي ونور البصيرة، وأن يجعلك حارسًا
أمينًا على دينه وشرعه في تلك البلاد، وأن يعينك على هداية وتثبيت المسلمين ويجزيك
عنهم خير الجزاء.
روابط ذات صلة: