تراجع عن وعده بالشراء بعدما اشترى البنك السلعة.. ما يلزمه؟

<p>طلبت من البنك الإسلامي أن يشتري لي سيارة محددة بالاسم والمواصفات، ووعدته بالتوقيع على عقد شرائها منه بالمرابحة فور تملكه لها.</p><p> البنك اشترى السيارة فعلاً، لكنني تراجعت عن وعدي ورفضت الشراء لوجود سيارة أرخص؛ فهل أنا ملزم بأخذها، وهل يجوز للبنك تغريمي فارق الخسارة إذا باعها بسعر أقل؟</p>

الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده، وبعد:

 

فأهلاً وسهلاً ومرحبًا بك أخي الكريم، وأحيي فيك حرصك على تحري الحلال والبحث عن الأحكام الشرعية؛ فالأصل في سلوك المسلم أن يستبرئ لدينه وأمانته في عقوده وعهوده.

 

إن البحث عن خيارات أرخص وأوفر ماليًا هو سلوك بشري طبيعي في عالم التسوق والتجارة، إلا أن المعاملات المالية عندما تدخل في إطار "المواعدة المسبقة" مع المؤسسات المالية والإسلامية تترتب عليها أحكام شرعية وآثار قانونية توازن بين حق الآمر بالشراء في الاختيار، وبين حماية المؤسسة المالية من الأضرار الناتجة عن نكث الوعود.

 

اختصارًا: أنت مدعو ومطالب شرعًا بالوفاء بوعدك، ويكره أو يحرم -بحسب حالتك- خلف الوعد ونكثه لمجرد وجود خيار أرخص بعد أن تكبد البنك عناء الشراء بناءً على طلبك المحدد.

 

وقد أخذت المجامع الفقهية المعاصرة وعلى رأسها مجمع الفقه الإسلامي الدولي وهيئة "أيوفي" برأي المالكية القائل بأن الوعد بالشراء ملزم للآمر بالشراء متى ترتب عليه دخول الموعود في تكلفة أو شراء سلعة بطلب من الواعد.

 

ويجوز للبنك شرعًا إلزامك بتعويض الضرر الفعلي المباشر الذي لحق به جراء نكثك للوعد وهو فارق السعر بين تكلفة الشراء وسعر بيعها للغير + المصاريف المباشرة، ولا يجوز للبنك أخذ أي ربح أو غرامة عقابية زائدة عن الضرر الفعلي.

 

وتفصيلاً:

 

آراء الفقهاء في إلزامية الوعد

 

اختلف الفقهاء قديمًا في مدى إلزامية الوعد ديانةً وقضاءً على ثلاثة اتجاهات رئيسة:

 

جمهور الفقهاء من الحنفية والشافعية والحنابلة:

 

الوفاء بالوعد مستحب أو واجب ديانةً بين العبد وربه، ولكنه غير ملزم قضاءً أمام القاضي، فلا يُجبر الواعد على تنفيذه ولا يغرم الخسارة.

 

الاتجاه الثاني مذهب المالكيّة وبعض السلف كابن شبرمة:

 

الوعد ملزم قضاءً وتُقضى به الأحكام إذا كان الوعد متسببًا في دخول الموعود في تكلفة أو التزام مالي بناءً على الوعد.

 

جاء في مواهب الجليل لشرح مختصر خليل للإمام الحطاب المالكي 3/ 401:

 

"إن وعده على سبب ودخل الموعود في ذلك السبب، كما لو قال له: اشترِ هذه السلعة أو تزوّج هذه المرأة وأنا أسلّفك أو أشتريها منك، فدخل الموعود في ذلك؛ فالوفاء به لازم قضاءً، ويُجبر عليه الواعد".

 

الاتجاه الثالث: القرارات والاعتمادات الصادرة عن المجامع الفقهية المعاصرة

 

اعتمدت المجامع الفقهية والمؤسسات الشرعية المعاصرة رأي المالكية في معاملات "المرابحة للآمر بالشراء" لحماية استقرار المعاملات المالية الإسلامية:

 

قرار مجمع الفقه الإسلامي الدولي التابع لمنظمة التعاون الإسلامي:

 

جاء في القرار رقم 40-41 2/5 بشأن بيع المرابحة للآمر بالشراء:

 

"الوعد -وهو الذي يصدر من الآمر أو المأمور على وجه الانفراد- يكون ملزمًا للواعد ديانة إلا لعذر، وهو ملزم قضاءً إذا كان معلقًا على سبب ودخل الموعود في تكلفة مادية تتصل بالوعد".

 

"إذا نكث الواعد العميل عن وعده بعد شراء البنك للسلعة، جاز للبنك بيع السلعة لغيره، ويحق للبنك الرجوع على العميل بالتعويض عن الضرر الفعلي الناشئ عن عدم الوفاء بالوعد، ولا يشمل التعويض فرصة الربح الضائعة".

 

المعايير الشرعية لهيئة المحاسبة والمراجعة للمؤسسات المالية الإسلامية AAOIFI:

 

جاء في المعيار الشرعي رقم 8 بشأن المرابحة البند 2/3 و2/5:

 

"يكون الوعد بالشراء ملزمًا للعميل إذا اشترط البنك ذلك... وإذا امتنع العميل عن تنفيذ المرابحة بعد تملك المؤسسة للسلعة، بيعت السلعة في السوق، فإن نقص ثمن البيع عن التكلفة التي تحملتها المؤسسة، رجعت المؤسسة على العميل بهامش الجدية أو بمقدار الضرر الفعلي المباشر فقط".

 

القواعد الفقهية الحاكمة

 

قاعدة: «لا ضرر ولا ضرار»

 

إلحاق الضرر المالي بالبنك الذي اشترى سلعة مخصوصة بطلبك ورغبتك ثم تراجعك عنها يؤدي لإلحاق ضرر مالي به، والشرع ينفي الضرر ويوجب رفعه.

 

قاعدة: «الضرر يزال»

 

يتم إزالة الضرر الواقع على البنك عن طريق جبر الخسارة الحقيقية الناتجة عن انخفاض قيمة السيارة عند إعادة بيعها للغير.

 

قاعدة: «المسلمون عند شروطهم»

 

الالتزام بالمواعدة والاتفاقات المقدمة للبنك يدخل في باب الشروط والمواثيق المالية الواجب احترامها.

 

قاعدة: «المنكِر لعهده ضامن لما تسبب فيه»

 

من تسبب بتصرفه في إدخال طرف آخر في التزام مالي بناءً على طلبه، لزمه ضمان التبعة والخسارة الناتجة عن تراجعه. والله تعالى أعلى وأعلم.

 

روابط ذات صلة:

تفعيل الشرط الجزائي بين استيفاء الحقوق والتعسف

التورق المصرفي.. الكيفية والحكم