<p>السلام عليكم ورحمة الله وبركاته لدي عقد شراء وحدة سكنية بالتقسيط، وقد راجعت قرارات مجمع الفقه الإسلامي الدولي، ووجدت أنهم قرروا عدم جواز احتفاظ البائع بملكية المبيع بعد البيع، وأن البديل المشروع هو أخذ الضمانات كرهن المبيع ونحوه.</p><p> إلا أن عقدي يتضمن النص الآتي: "انتقال ملكية الوحدة المباعة موقوف على سداد كامل الثمن والوفاء بكافة الأقساط في مواعيدها المتفق عليها بما فيها وديعة الصيانة وسداد أي التزامات مالية أخرى ناشئة عن هذا العقد ولا يغير من ذلك تسليم الوحدة المبيعة للطرف الثاني ويظل للطرف الأول حق الامتياز على الوحدة حتى تمام سداد كامل الثمن. ويحظر على الطرف الثاني ترتيب أي امتيازات او حقوق عينية اصلية كانت او تبعية او حقوق شخصية او تقديم الوحدة ضمان لأي قرض او رهنها او التصرف فيها باي نوع من أنواع التصرفات الا بعد سداد كامل الثمن واي التزامات مالية أخرى مشار اليها ولا يعتد بأي تصرف يخالف ذلك ولا ينفذ في مواجهة الطرف الأول".</p><p> ومعلوم أن العقد في بدايته موصوف بأنه عقد بيع ابتدائي يتبع القانون المصري الذى ينص على الاتى طبقا للمادة 430:</p><p> ١- إذا كان البيع مؤجل الثمن ، جاز للبائع أن يشترط أن يكون نقل الملكية إلى المشتري موقوفاً على استيفاء الثمن كله ولو تم تسليم المبيع.</p><p> ٢ - فاذا كان الثمن يدفع أقساطاً ، جاز للمتعاقدين أن يتفقا على أن يستبقي البائع جزءاً منه تعويضاً له عن فسخ البيع إذا لم توف جميع الأقساط ، ومع ذلك يجوز للقاضي تبعاً للظروف أن يخفض التعويض المتفق عليه وفقا للفقرة الثانية من المادة ٢٢٤ .</p><p>3 - واذا وفيت الأقساط جميعاً ، فإن انتقال الملكية إلى المشتري يعتبر مستنداً إلى وقت البيع.</p><p> ٤ - وتسري أحكام الفقرات الثلاث السابقة ولوسمي المتعاقدان البيع إيجاراً.</p><p>وسؤالي هو: ١- هل هذه الصياغة تدخل في الصورة التي منعها مجمع الفقه الإسلامي، أم يمكن حملها على أنها مجرد تأجيل لنقل الملكية القانونية (التسجيل) دون نفي آثار البيع الشرعية؟</p><p>٢- إذا كانت هذه الصياغة غير جائزة شرعًا، فهل يقتصر الحكم على بطلان أو فساد هذا الشرط فقط، أم يؤثر على صحة عقد البيع كله؟</p><p>٣- وهل يختلف الحكم إذا كان الواقع العملي أن المشتري يستلم الوحدة ويتحمل جميع التزاماتها ومخاطرها، ولا يتأخر فقط إلا نقل الملكية الرسمية والتسجيل؟ علما بأن العقد بفضل الله لا يتضمن أي مخالفات شرعية اخرى مثل غرامات التأخير وخلافه.</p>
الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده،
وبعد:
فأهلاً وسهلاً ومرحبًا بك أخي الكريم، وإن حرصك على تتبع
الأحكام الشرعية في عقودك المالية مسلك محمود يُحمد عليه المسلم؛ حفاظًا على طهارة
ماله واستقرار معاملاته. وتُعد مسألة "تأجيل نقل الملكية في البيع
بالتقسيط" من أكثر المسائل الدقيقة التي تجمع بين التكييف الفقهي الشرعي
والصياغة القانونية المعاصرة في العقود العقارية.
اختصارًا: الصياغة
المذكورة في عقدك تنص في ظاهرها على "وقف نقل الملكية"، وهو ما يماثل
ظاهر الصورة التي منعها مجمع الفقه الإسلامي الدولي. إلا أنه في الواقع العملي
والقانوني المطبق وفق القانون المصري — ومع استلامك للوحدة وتحملك لكافة منافعها
ومخاطرها وتكاليفها — تُحمل هذه الصياغة شرعًا على أنها تأجيل لنقل الملكية
القانونية الرسمية وهو التسجيل الإداري بالشهر العقاري توثيقًا لحق البائع وهو
بمثابة "الرهن الرسمي أو حق الامتياز"، وهو تكييف سائغ شرعًا ولا يضر
بأصل عقد البيع.
ولو أخذنا بالظاهر المجرد واعتُبر هذا الشرط شرطًا فاسدًا
شرعًا، فإن الحكم يقتصر على بطلان الشرط وحده ويصح عقد البيع بجميع آثاره عند
جمهور الفقهاء، ولا يبطل عقد الشراء أصلاً.
ونعم يختلف الحكم تمامًا بحسب الواقع العملي؛ بدليل
تسلمك الوحدة وشغلها بالسكنى، وإن قبضك للوحدة وتحملك لمخاطرها وهلاكها ينقل إليك
"الملكية الشرعية الفقهية" ملكية المنافع والضمان، ويصير احتفاظ البائع
بالملكية الرسمية مجرد إجراء توثيقي يحمي حقه المالي من تصرفك فيها للغير قبل
اكتمال دفع الثمن.
وتفصيلاً:
أولا: نص قرار مجمع الفقه الإسلامي الدولي
بالفعل قرار مجمع الفقه الإسلامي الدولي يشمل البيع
بالتقسيط تحديدًا بل أُفرد له خصيصًا، والقرار الصادر في هذا الشأن هو القرار رقم
51 2/6 بشأن "البيع بالتقسيط"، الصادر عن مجلس المجمع في دورة مؤتمره
السادس بجدة 1990م، ومن نص القرار:
«إن مجلس مجمع الفقه الإسلامي الدولي... بعد اطلاعه على
البحوث الواردة إلى المجمع بخصوص موضوع البيع بالتقسيط، واستماعه إلى المناقشات
التي دارت حوله؛ قرر ما يلي في البند الثالث: لا يجوز للبائع اشتراط عدم نقل الملكية إلى المشتري إلا
بعد سداد الثمن، ولكن يجوز للبائع أن يشترط رهن المبيع لديه لضمان حقه في استيفاء
الأقساط المؤجلة».
ثانيًا: الموقف الشرعي من احتفاظ البائع بـ "رقبة
المبيع"
اتفق فقهاء المذاهب الأربعة الحنفية، والمالكية،
والشافعية، والحنابلة على أن من أثر عقد البيع الصحيح انتقال ملكية المبيع فورًا
إلى المشتري بمجرد انعقاد العقد، ولا يتوقف نقل الملكية على قبض المبيع ولا على
سداد الثمن.
وفي مسألة حبس المبيع فرق الفقهاء القدامى بين نوعين:
البيع النقدي أو الحال: يجوز للبائع حبس العين المبيعة حتى يستوفي ثمنها النقدي الحالّ.
البيع المؤجل أو التقسيط: ذهب جمهور الفقهاء إلى أنه إذا أجل البائع الثمن، فقد أسقط حقه في
حبس المبيع، ووجب عليه تسليمه فورًا للمشتري، ولا يحق له الاحتفاظ بالرقبة ولا
بالعين، وإنما يسوغ له أخذ «رهن» بالمبيع أو غيره لتوثيق دينه.
جاء في الكافي في فقه أهل المدينة لابن عبد البر: «وإذا
باع الرجل السلعة إلى أجل، فليس له أن يحبس المبيع عن المشتري لعدم حلول الأجل،
وعلى البائع تسليم المبيع، وله أخذ الرهن إن اشترطه في العقد».
التكييف الفقهي الحديث للصياغة مع القانون المصري المادة
430:
فرّق المحققون من العلماء المعاصرين ومنهم د. وهبة
الزحيلي، والشيخ تقي العثماني، وفتاوى دار الإفتاء المصرية بين مفهومين:
الملكية الشرعية الفقهية وهي ملكية المنافع والضمان: وتثبت للمشتري بالقبض والتمكين من العين، فيحق له
السكنى، وعليه تبعة الهلاك والتكاليف ووديعة الصيانة.
الملكية القانونية الرسمية أو التسجيل وإشهار العقد: وهي الحماية القانونية أمام الدولة.
وحيث إن المادة 430 من القانون المصري أجازت هذا الشرط
لحماية البائع من تصرف المشتري في العين للغير قبل سداد الأقساط، مع نص الفقرة 3
منها على أنه: «وإذا وفيت الأقساط جميعًا، فإن انتقال الملكية إلى المشتري يعتبر
مستندًا إلى وقت البيع»؛ فهذا يكشف أن القانون يعتبر انتقال الملكية قد تم بأثره
الشرعي من تاريخ العقد، وأن احتفاظ البائع بظاهر الملكية هو في حقيقته «رهن رسمي
وحق امتياز موثق» لمنع التهرب من دفع الأقساط، وهو ما أجازه مجمع الفقه بقوله:
ولكن يجوز للبائع أن يشترط رهن المبيع لديه.
حكم الشرط إن اعتُبر مخالفًا، وأثره على صحة البيع
لو افترضنا أن هذا الشرط صريح في منع نقل الملكية مطلقًا
وغير قابل للتأويل؛ فإن هذا يُعد من باب «الشرط المنافي لمقتضى العقد» الشرط
الفاسد.
وجمهور الفقهاء على أن الشرط المقترن بالبيع إذا كان
ينافي مقتضاه دون أن يمس أصل البيع، يبطل الشرط وحده ويصح العقد؛ لأن الشرط لغو،
والعقد تم بأركانه وشروطه الأساسية خالية من الربا والغرر.
جاء في الشرح الممتع للشيخ ابن عثيمين كتاب البيوع -
الشروط في البيع: «الشرط الفاسد الذي لا يبطل العقد هو الشرط الذي ينافي مقتضى
العقد كأن يشترط ألا يبيع ولا يهب... فهذا الشرط يبطل في نفسه، ويثبت البيع صحيحًا؛
لأن البيع تم بأركانه وشروطه، والشرط الفاسد يلغى ولا يؤثر على أصل الصحة».
القواعد الفقهية الحاكمة في احتفاظ
البائع بحق الملكية ضمانًا للسداد
قاعدة: «الْعِبْرَةُ فِي الْعُقُودِ لِلْمَقَاصِدِ
وَالْمَعَانِي لا لِلأَلْفَاظِ وَالْمَبَانِي»
العبرة في عقدك هي بالواقع العملي؛ فحين تسلمت الوحدة
وأصبحت مسؤولاً عن تبعة هلاكها ومصاريفها، تحققت الملكية الفقهية الشرعية، وأصبح
شرط "احتفاظ الملكية" لفظًا صوريًّا يقصد به التوثيق والرهن فقط.
قاعدة: «الْخَرَاجُ بِالضَّمَانِ» و«الْغُرْمُ
بِالْغُنْمِ»
ما دمت تضمن الوحدة لو هلكت وتتحمل التزاماتها المالية
الحديث النبوي: «الخراج بالضمان»، فإن منافعها وملكيتها ثابته لك شرعًا، وتخلف
التسجيل الرسمي لا يقطع هذه الصلة الشرعية.
قاعدة: «إِعْمَالُ الْكَلاَمِ أَوْلَى مِنْ إِهْمَالِهِ»
تطبيقًا لهذه القاعدة، يُحمل الشرط الوارد في العقد على
الإمكان الشرعي الصحيح وهو كونه حق امتياز ورهنًا عقاريًّا بدلاً من إلغائه أو
الحكم ببطلان العقد المبرم بين الطرفين.
قاعدة: «بُطْلاَنُ الشَّرْطِ لاَ يَلْزَمُ مِنْهُ
بُطْلاَنُ الْعَقْدِ»
في الشروط الفاسدة التي لا تعود على أصل الثمن أو المبيع
بالجهالة أو الربا، يقتصر أثر الفساد على الشرط نفسه دون العقد، حماية لاستقرار
المعاملات بين الناس. والله تعالى أعلى وأعلم.
روابط
ذات صلة:
عقد إجارة منتهية بالتمليك.. عجزت عن السداد فصادروا كل شيء!