<p class="MsoNormal" dir="RTL" style="margin-bottom:0cm;text-align:justify; line-height:normal;direction:rtl;unicode-bidi:embed"><span lang="AR-SA" style="font-size:14.0pt;font-family:"Simplified Arabic",serif">السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.. <o:p></o:p></span></p> <p class="MsoNormal" dir="RTL" style="margin-bottom:0cm;text-align:justify; line-height:normal;direction:rtl;unicode-bidi:embed"><span lang="AR-SA" style="font-size:14.0pt;font-family:"Simplified Arabic",serif">أنا واعظ ومرشد ديني أعمل في قطاع السجون والإصلاحيات منذ أكثر من عشر سنوات. أتوجه إليكم بهذه الاستشارة لوجود خلل منهجي وتطبيقي كبير يؤلمني ويحبط جهودنا؛ وهو غياب "الرعاية التربوية والدعوية اللاحقة للمسجونين بعد الإفراج عنهم".<o:p></o:p></span></p> <p class="MsoNormal" dir="RTL" style="margin-bottom:0cm;text-align:justify; line-height:normal;direction:rtl;unicode-bidi:embed"><span lang="AR-SA" style="font-size:14.0pt;font-family:"Simplified Arabic",serif">إننا نبذل جهودًا مضنية داخل السجون في وعظ النزلاء، وتدريسهم القرآن، وتأهيلهم سلوكيًّا، ونرى منهم إقبالاً بكاءً وتوبة صادقة داخل العنابر. لكن المعضلة الكبرى تبدأ لحظة خروج السجين من بوابة السجن؛ حيث يواجه واقعًا مجتمعيًّا قادرًا على تدمير توبته في أيام معدودة؛ إذ ترفض المؤسسات توظيفه بسبب "الصحيفة الجنائية"، وتنبذه أسرته ومجتمعه بنظرات الشك والريب، ويجد نفسه بلا مأوى ولا مصدر رزق.<o:p></o:p></span></p> <p class="MsoNormal" dir="RTL" style="margin-bottom:0cm;text-align:justify; line-height:normal;direction:rtl;unicode-bidi:embed"><span lang="AR-SA" style="font-size:14.0pt;font-family:"Simplified Arabic",serif">في هذه اللحظة الحرجة، تغيب تمامًا الحاضنة والمؤسسة الدعوية التي تأخذ بيده وتثبته، فلا يجد أمامه سوى شياطين الإنس من رفقاء السوء القدامى الذين يستقبلونه بالترحاب ويوفرون له المال، فينتكس ويعود للجريمة والتفلت بشكل أشد. <o:p></o:p></span></p> <p class="MsoNormal" dir="RTL" style="margin-bottom:0cm;text-align:justify; line-height:normal;direction:rtl;unicode-bidi:embed"><span lang="AR-SA" style="font-size:14.0pt;font-family:"Simplified Arabic",serif">كيف نصيغ من خلال فئات المدعوين برنامج رعاية لاحق متكامل ومبدع يحمي المفرج عنهم ويوفر لهم البديل الصالح؟ وكيف ننتقل من وعظ الجدران إلى تمكين الإنسان وتثبيته في المجتمع؟<b><span style="color:#0000CC"><o:p></o:p></span></b></span></p>
وعليكم السلام
ورحمة الله وبركاته، حياك الله أيها الشيخ الفاضل والداعية الغيور، وبارك الله في
ثغرك الإنساني والتربوي العظيم الذي تقف عليه؛ فإنَّ رعاية السجناء وتثبيت المفرج
عنهم هو من أدق مساحات "دعوة الرحمة والإصلاح" التي تظهر عظمة الإسلام
في احتواء الضعف البشري وفتح أبواب الأمل والتوبة للجميع دون يأس أو قنوط.
إن الشريعة
الإسلامية الغراء جعلت التوبة والعودة عن الخطأ أصلاً أصيلاً، وشرعت من الأحكام
والآداب ما يضمن دمج التائب بالكامل في المجتمع ومحو آثار ماضيه؛ وتأمل المنهج
النبوي الشريف في التعامل مع أصحاب الجنايات والخطايا؛ فلم يكن ﷺ يكتفي بإقامة
الأحكام أو الوعظ، بل كان يحيط التائب بسياج من الكرامة، والستر، والحماية
المجتمعية الشاملة؛ وحين وقع بعض الصحابة في هفوات كبرى وتاب الله عليهم، كان
النبي ﷺ ينهى أصحابه بشدة عن تعييرهم أو تذكيرهم بماضيهم قائلاً: «لَا
تَكُونُوا عَوْنَ الشَّيْطَانِ عَلَى أَخِيكُمْ».
وإن تخلي
المؤسسات الدعوية والمحاضن التربوية عن السجين التائب لحظة خروجه هو تسليم مجاني
له لشياطين الإنس والجن ليعيدوه إلى مستنقع الفساد، وهو قصور حاد في فهم مقصد
الهداية والاستصلاح الذي بعث الله به رسله، كما قال جل وعلا مبينًا وظيفة الرحمة:
﴿كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ لِتُخْرِجَ النَّاسَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى
النُّورِ بِإِذْنِ رَبِّهِمْ﴾ [إبراهيم: 1]، والخروج يتطلب مرافقة مستمرة حتى
يستقر العبد في ساحة النور والعمل الصالح.
إنَّ النجاح في
إصلاح السجناء يتطلب الانتقال الفوري من عقلية "الوعظ الوقتي داخل
الإصلاحية" إلى مربع "هندسة برامج الرعاية اللاحقة والدمج الاجتماعي
والاقتصادي الشامل". يجب أن يدرك التائب المفرج عنه أن مجتمع الإسلام يفتح له
ذراعيه بصدق، وأن هناك بيئة صالحة بديلة تعوضه عن رفقاء السوء وتوفر له سبل العيش
الكريم والاستعفاف، مع الحفاظ على خصوصيته وسريته التامة؛ لئلا يتحول وصم المجتمع
له إلى دافع للانتقام والعودة للجريمة.
ومن الناحية
التطبيقية والعملية لتفعيل هذا الملف الإنساني التربوي، نقترح تبني المبادرات
التالية:
أولاً: تأسيس
"مؤسسة أو وحدة (بداية جديدة) للرعاية اللاحقة" تكون مستقلة إداريًّا
وتتكامل مع إدارة السجون، وتتولى استلام ملفات النزلاء التائبين المتوقع خروجهم
قبل أشهر لتجهيز خطة احتوائهم.
ثانيًا: إطلاق
(برنامج المؤاخاة والتوجيه)؛ بحيث يربط كل مفرج عنه بداعية أو مربٍّ صالح ومؤهل
نفسيًّا يكون بمثابة الصديق والمرافق اليومي له، يرافقه للمسجد، ويستمع لآلامه،
ويحميه من أوقات الفراغ والعزلة النفسية.
ثالثًا: بناء
"شراكات استراتيجية وتكافلية مع رجال الأعمال وأصحاب المصانع الخيريين"؛
لتوفير فرص عمل كريمة للمفرج عنهم تضمن استقلالهم المالي وإعفاف أنفسهم وأسرهم، مع
السعي مع الجهات القانونية لتيسير إجراءات "رد الاعتبار" ومحو السوابق
للتائبين تشجيعًا لهم على الاستقامة.
وأنصحك
ختاما بما يأتي:
• استمر في بث
روح الأمل والتفاؤل في نفوس النزلاء داخل السجن، وعلمهم أن ماضيهم قد انتهى بصدق
التوبة، وأن المستقبل أمامهم مشرق بفضل الله ورحمته الواسعة.
• تعامل مع أسرار
وظروف هؤلاء الأشخاص بأعلى درجات الورع والأمانة والكتمان، وإياك أن تسمح بتسريب
قصصهم أو التفاصيل الجنائية لماضيهم لأي فرد كان.
• ركز في برامج
التأهيل اللاحقة على تعميم "الثقافة الحرفية والمهنية"؛ فتمكين التائب
من حرفة يدوية أو مهارة تقنية يتقنها هو أعظم سلاح يحميه من العوز والحاجة والعودة
للجريمة.
وأسأل الله
العظيم، رب العرش الكريم، أن يبارك في عمرك وعملك، وأن يجزيكم خير الجزاء على هذا
الثغر الإنساني العظيم، وأن يجعل على يديك هداية وتثبيت هؤلاء التائبين، ويقر عينك
باستقامتهم ونجاحهم في مجتمعهم.
روابط ذات صلة:
مسؤولان بجمعية التكافل لرعاية السجناء لـ"المجتمع": على مدار 16 عاماً ساعدنا 22 ألف سجين ومطلوب