ما الحكم الفقهي في ثبوت نسب ولد الزنا والاغتصاب، وهل يصح الاعتماد على تحليل الـ DNA لإثبات علاقة الأبوة؟
الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده،
وبعد:
فأهلاً وسهلاً ومرحبًا بك أخي الكريم، واعلم رعاك الله
أن حفظ العرض والنسل يعتبر واحدًا من أعمدة خمسة رئيسة لمقاصد الشريعة الإسلامية؛
وعليه لا خلاف بين الفقهاء في أن الولد ينسب لأبيه إذا كان نتاج علاقة شرعية، كما
أنه لا خلاف بين الفقهاء في نسب المولود لأمه سواء كان من نكاح أو سفاح، وذلك
لضرورة أن لكل طفل أما، غير أن مدار الخلاف بين الفقهاء هو نسب الولد الناتج عن
علاقة محرمة كالزنا أو نتيجة إكراه على الزنا كالاغتصاب؛ فبينما ذهب أغلب الفقهاء
إلى عدم جواز إلحاق نسب الولد غير الشرعي مطلقا، ذهبت أقلية من الفقهاء إلى جواز
إلحاق نسبه بضوابط معينة.
وفي المقابل، فإن ما أفرزه التطور العلمي من دليل علمي
في الإثبات كالبصمة الوراثية، ونظرًا لحجيته التي تكاد تكون قطعية إذ يمكن به
التعرف على الأب الحقيقي لولد الزنا أو الاغتصاب، وهو الأمر الذي جعله ذريعة لدى
بعض الفقهاء المعاصرين لإلحاق نسب الابن غير الشرعي.
اختصارًا: تعد
دراسة الباحث خالدي صفاء هاجر للحصول على درجة الدكتوراه، بعنوان "إلحاق ولد
الاغتصاب دون ولد الزنا وفقًا للأحكام الفقهية والتطبيقات العلمية
والقضائية"، من الدراسات المهمة التي خَلُصت بعد مناقشات طويلة إلى ضرورة
التفريق بين نسبة ولد الزنا الذي تم بين رجل وامرأة بالتراضي، وبين حالة الاغتصاب
التي أُجبرت فيها المرأة على الحمل سفاحًا بلا رغبة أو رضا.
وقد قضت المحكمة العليا الجزائرية في حالات الاغتصاب
التي تمت إبان العشرية السوداء بنسب الأبناء الذين نتجوا عن هذه الحالات إلى
آبائهم تغريمًا لهم وإلزامًا لهم بالنفقات والرعاية؛ وهو اجتهاد محمود، وخاصة أن
الحديث الذي يُعتمد عليه في نفي نسب ولد الزنا إنما ذكر حالة أن يكون هناك فراش
شرعي، وهو ما لا يجادل فيه أحد، أما حالة ألا يكون هناك فراش أصلاً فتعتبر من
المسكوت عنه، وتستلزم اجتهادًا فقهيًّا يدور مع المصلحة.
وتفصيلاً:
لقد اتفق الفقهاء على ثبوت نسب ابن الزنا لأمه، كما انعقد الإجماع أيضًا على عدم ثبوت نسب ولد الزنا من الزاني إذا كانت الزانية ذات زوج أو مملوكة، حتى وإن استلحقه الزاني؛ لقول رسول الله ﷺ: «الولد للفراش وللعاهر الحجر». أما إذا كانت المرأة غير ذات زوج واستلحق الزاني ولد الزنا، ففي ثبوت نسبه خلاف بين الفقهاء على رأيين:
أولاً: حكم نسب ولد الزنا بالتراضي
الرأي الأول رأي الجمهور:
وهو قول الجمهور من المالكية والحنفية والشافعية وبعض
الحنابلة والظاهرية والإمام الشوكاني. يرى هذا الفريق عدم إلحاق الولد بالزاني وإن
ادعاه واستلحقه، وأدلتهم في ذلك:
من السنة النبوية:
ما روي عن النبي ﷺ: «الولد للفراش وللعاهر الحجر»؛ ووجه الدلالة أن النبي ﷺ بين أن حظ
الزاني وهو العاهر الحجر، وأن نسب ولد الزنا لا يثبت منه لأنه ليس صاحب الفراش،
فلا يلحقه وإن استلحقه كما لو كانت أمه ذات فراش.
ما أخرجه ابن ماجه عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن
النبي ﷺ قال: «من عاهر
بأَمَة أو حرة فولده ولد زنا، لا يرث ولا يورث»؛ ووجه الدلالة أن النسب لو كان
يثبت بالزنا لترتبت عليه آثاره الشرعية من ميراث وغيره، ولما لم يكن كذلك دل على
أن ولد الزنا لا يلحق بالزاني.
من الإجماع: أجمعت الأمة على عدم إلحاق ولد الزنا لما ثبت عن رسول الله ﷺ؛ حيث جعل كل ولد
على فراش لرجل لاحقًا به إلا أن ينفيه باللعان. قال ابن عبد البر: "فنفي أن
يلحق في الإسلام ولد الزنا، وأجمعت الأمة على ذلك نقلاً عن نبيها ﷺ، وجعل ﷺ كل ولد يولد على
فراش لرجل لاحقًا به على كل حال إلى أن ينفيه بلعان".
من المعقول: استدل أصحاب هذا المذهب بالمعقول من وجوه عدة:
· إن ماء الزنا هدر لا حرمة له
فلا يرتب أثرًا، وللعاهر الحجر أي الخيبة والخسارة والخذلان.
· النسب نعمة، والزنا جريمة لا
يستحق صاحبها النعمة بل العقوبة؛ ليكون ذلك زجرًا عن ارتكابها.
· لا يمكن التيقن من أن ابن
الزنا منه، إذ لصاحبة هذا الفعل أن تفعل مع غيره كما فعلت معه.
· الأبوة وصف شرف لا يستحقها
إلا من بذل وقدم لها بالزواج أو التسري.
· الزنا تعدٍ على حدود الله في
طريق المعاشرة الحلال.
الرأي الثاني:
وهو قول إسحاق بن راهويه، وعروة بن الزبير، وسليمان بن
يسار، وشيخ الإسلام ابن تيمية، والفقيه الحنبلي ابن القيم. يرى هذا الفريق أنه إذا
استلحق الرجل ولده من الزنا ولا فراش للمرأة فإنه يلحقه وإن أقر بأنه من الزنا،
وأدلتهم في ذلك:
من السنة النبوية: حديث عائشة رضي الله عنها لقول رسول الله ﷺ: «الولد للفراش وللعاهر الحجر»؛ ووجه الدلالة -كما ذكر
ابن تيمية- أن الحديث ينطبق إذا كانت المرأة فراشًا، فإذا لم يكن لها زوج أي ليست
فراشًا لم يكن للعاهر الحجر، وحينئذ إذا استلحق ولده لحقه. كما استدل ابن تيمية
بأن عمر بن الخطاب رضي الله عنه ألحق أولاد الجاهلية بآبائهم الذين يدعونهم في
الإسلام. وأن الحديث إنما جاء في حال تنازع الزاني وصاحب الفراش، فَقُدِّم صاحب
الفراش، فالرسول ﷺ قال هذا الحديث في حالة ممارسة القضاء عند التنازع.
من المعقول: استدل أصحاب هذا المذهب بالمعقول من عدة وجوه:
· أن الأب أحد الزانيين، فإذا كان الولد يلحق بأمه وينسب إليها وترثه ويرثها
مع كونها زنت به، فما المانع من لحوقه بالأب إذا لم يدَّعِهِ غيره؟ وهو قول ابن
القيم الذي انتصر فيه لشيخه ابن تيمية بالقياس.
· أن ينسب الولد لصاحب الماء
أفضل من أن يترك بدون نسب لأب.
· أنه كما أن لكل ابن أُمًّا
بالطبيعة فلا بد أيضا أن يكون له أب.
· أنه ليس في كل الحالات يكون
النسب غنمًا يلحق بالزاني بل في كثير من الأحيان عقوبة وغرمًا، وهو يستحق العقوبة.
· إذا كان يثبت بالزنا حرمة
المصاهرة، أفلا يثبت له أثر النسب مراعاة للصغار الضائعين؟
· قياس ماء الزنا على ماء
الشبهة، فقد ذهبوا إلى أن من وطئ امرأة غيره أو امرأة خالية بشبهة وأتت بولد أمكن
أن يكون منه ويُنْسَب إليه.
ثانيًا: حكم نسب ولد الاغتصاب
لما كان من الثابت شناعة جريمة الاغتصاب باعتبارها من
أبشع الجرائم التي عرفتها الإنسانية في تاريخها، ونظرًا للآثار النفسية
والاجتماعية الوخيمة التي تلحق بالضحية المغتصبة -خاصة إذا ترتب على هذا الجرم
ولد، ومثاله ما حدث من حالات اغتصاب للنساء في سجون سوريا في أزمتها عام 2012، وما
حدث مع النساء المسلمات البوسنيات والجزائريات في العشرية السوداء- أثار ذلك جدلاً
فقهيًّا وقانونيًّا كبيرًا حول نسب الأطفال الناتجة عن عمليات الاغتصاب، وتباينت
الآراء في المسألة على النحو التالي:
الرأي الأول: يرى أنه لا فرق شرعًا بين ولد الاغتصاب وولد الزنا من حيث الأحكام
الفقهية والآثار الشرعية؛ فلا ينظر إلى ولد الزنا من حيث هو ثمرة جريمة الزنا
فحسب، بل يراد بالزنا كل علاقة غير شرعية بين رجل وامرأة بلا عقد أو شبهة، سواء
كان الزنا برضى الطرفين أو بإكراه أحدهما. وعليه، فإن نسب ولد الاغتصاب يأخذ حكم
ولد الزنا، والذي انقسم الفقهاء بشأن إلحاقه قديمًا وحديثًا بين مؤيد ومعارض.
الرأي الثاني الرأي الفقهي المعاصر: أثارت مسألة نسب ولد الاغتصاب في الآونة الأخيرة
بلبلة فقهية وقانونية دفع العديد من الفقهاء المعاصرين إلى مناقشتها بمعزل عن نسب
ولد الزنا، في محاولة لأنصاف المغتصبة التي تُعد ضحية لجريمة لا يد لها فيها، وأُمًّا
لطفل لم تسعَ لإنجابه. وانقسم هذا الاتجاه إلى قولين:
القول الأول: يرى عدم جواز إلحاق نسب ولد الاغتصاب بأبيه باعتباره ولدًا غير شرعي
وولد زنا، وحجتهم في ذلك هي حجج الجمهور والفقهاء المعاصرين في عدم جواز إلحاق نسب
ولد الزنا والتي مرت سابقًا.
القول الثاني: يرى جواز إلحاق ولد الاغتصاب بأبيه المغتصب، ومثاله فتوى الشيخ جاد
الحق علي جاد الحق رئيس دار الإفتاء المصرية وشيخ الأزهر سابقاً التي جاء فيها:
"لما كانت من القواعد الشرعية والمستقرة والمتفق
عليها في الفقه الإسلامي أن الضرر لا يزال بضرر، وأن الضرورات تبيح المحظورات...
ولما كانت القاعدة التنظيمية المقررة أنه يثبت نسب الحمل الذي كان ثمرة اعتداء
المتهم بل وفيه تشجيع على العلاقات الجنسية غير المشروعة، فإنه بمقتضى القواعد
الشرعية يجب دفع الضرر بالمعايير الواردة في الشريعة الإسلامية، ولما كان إثبات
النسب يتبع انعقاد زواج المتهم من المجني عليها، ويقبل منه شرعًا هذا الإقرار
بالنسب لهذا الحمل إليه واكتساب أبوته...".
ومن الفتوى يتضح أن الشيخ جاد الحق أقر إثبات نسب ولد
الاغتصاب إلى أبيه البيولوجي المغتصب بشروط: وهي أن يتزوج الجاني المغتصب من
الضحية المجني عليها، وأن يقر هذا المغتصب بنسب هذا الولد ويستلحقه، على أساس أن
النسب يلحق انعقاد الزواج والإقرار به بتوفير شروط الإقرار المطلوبة شرعًا.
ومن الفقهاء المعاصرين أيضًا رأي الدكتور رأفت عثمان
عميد كلية الشريعة والقانون بالأزهر سابقًا، والذي جاء فيه أنه يميل إلى إثبات ولد
الاغتصاب إلى أبيه؛ إبعادًا للطفل وأمه عن عار الجريمة التي لا يد لهما فيها.
حكم استعمال البصمة الوراثية في إثبات نسب ولد الاغتصاب
لعبت البصمة الوراثية دورًا كبيرًا في الإثبات الجنائي،
وحتى في الدلالة على الجاني الأصلي عند تعدد المشتبه فيهم عند وجود تلوثات منوية
على الضحية. وإذا ما ترتب على الجريمة حمل، فالسؤال الذي يطرح هنا: ما حكم استعمال
البصمة الوراثية في إثبات نسب ولد الاغتصاب؟
لقد تباينت الآراء الفقهية المعاصرة في المسألة باعتبار
هذه الوسيلة من النوازل الحديثة، وذلك تبعًا لتباين مواقفهم حول حكم نسب ولد
الاغتصاب أصلاً، وجاءت الآراء كالتالي:
أولاً: القول الأول:
يرى عدم جواز إلحاق نسب ولد الاغتصاب؛ وتباعًا لذلك فإن
وجود البصمة الوراثية لا يغير من الأمر شيئًا، ولا يجوز إلحاق نسب ولد الاغتصاب
بناءً على نتائجها، وهو قول الفقهاء المعارضين لإلحاق نسب ولد الاغتصاب عمومًا.
ثانياً: القول الثاني:
يرى جواز إلحاق نسب ولد الاغتصاب بناءً على نتائج البصمة
الوراثية، وهو رأي الفقهاء المعاصرين الذين يؤيدون إلحاق ولد الاغتصاب. ومن أمثلة
ذلك:
رأي الدكتور رأفت عثمان عميد كلية الشريعة والقانون
بالأزهر سابقًا: والذي جاء فيه: "أعطانا الله عز وجل العلم الذي يوصل إلى أن
الإنسان هو ابن هذا الرجل أو ذاك عن طريق ما يعرف بـ DNA أو البصمة الوراثية، ويمكن اللجوء في حالة المغتصبة التي
أنجبت من الاغتصاب إلى الاختبار الوراثي، وبه يُعرف إن كان المولود من المتهم أم
لا. وإنه يميل إلى إثبات نسب ولد الاغتصاب لأبيه؛ إبعادًا للطفل وأمه عن عار
الجريمة التي لا يد لهما فيها".
رأي الدكتور عبد المعطي بيومي عضو مجمع البحوث الإسلامية والذي
يُعدّ من مؤيدي استخدام البصمة الوراثية لإثبات النسب ونسب الطفل إلى أبيه
البيولوجي في مثل هذه الحالات الاستثنائية، حمايةً لحقوق الضحية والطفل ودفعًا
للضرر عنهما. والله تعالى أعلى وأعلم.
روابط
ذات صلة: