هل ما يؤخذ مقابل الخلو جائز؟

هل ما يؤخذ مقابل الخلو جائز؟

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وبعد:

 

فهذه المسألة قديمةٌ متجددةٌ بصورٍ وواقعات تنضبط من خلال التخريج الفقهي والقواعد الشرعية التي قررها الفقهاء المستمدة من مصادر الشريعة المتفق عليها، والبحث واسعٌ له فروعٌ وضوابط كثيرةٌ، تؤول في أغلب الأحوال إلى عدة حالات مشهورة، بعضها صحيحة شرعًا وبعضها حرامٌ وغصبٌ لملك الغير وتصرف في غير ملك، ونصوص الفقهاء كثيرةٌ في هذه المسألة، نكتفي بما يلخص ذلك:

 

قال الدكتور وهبة الزحيلي رحمه الله تعالى:

 

إن ما يؤخذ اليوم مما يسمى (بالفروغ أو خلو الرجل أو اليد) لا مانع منه شرعًا في تقديري، فللمالك المؤجر أن يأخذ من المستأجر مقدارًا مقطوعًا من المال مقابل الخلو أو الفروغ.

 

ويعد المأخوذ جزءًا معجلاً من الأجرة المشروطة في العقد.

 

وأما ما يدفع في المستقبل شهريًّا أو سنويًّا فهو بالإضافة إلى ما تم تعجيله يعد جزءًا آخر مكملاً من الأجرة مؤجل الوفاء.

 

وأما ما يأخذه المستأجر من الفروغ مقابل تنازله عن اختصاصه بمنفعة العقار المأجور لشخص آخر يحل محله فهو جائز أيضًا إذا كانت مدة الإجارة باقية، وإلا كان غصبًا حرامًا؛ فقد صرح الشافعية أثناء كلامهم عن صيغة عقد البيع بما يقارب هذا المعنى فقالوا: «لا يبعد اشتراط الصيغة في نقل اليد في الاختصاص ـ أي عند التنازل عن حيازة النجاسات لتسميد الأرض ـ كأن يقول: رفعت يدي عن هذا الاختصاص، ولا يبعد جواز أخذ العوض عن نقل اليد، كما في النزول عن الوظائف» إلا أن ذلك كله مقيد شرعًا ضمن مدة الإيجار المتفق عليها.

 

وتنازل المستأجر لغيره بعوض بعد انتهاء المدة مرهون برضا المالك.

 

وبالرغم من أن أصل المذهب الحنفي لا يجيز الاعتياض عن الحقوق المجردة كحق الشفعة، وكذا لا يجيز بيع الحق، فإن كثيرًا من الحنفية أفتى بجواز النزول عن الوظائف بمال كالإمامة والخطابة والأذان ونحوها.

 

وتستند هذه الفتوى إلى الضرورة وتعارف الناس وبالقياس على ترك المرأة قَسْمها لصاحبتها؛ لأن كلاً منهما مجرد إسقاط للحق، وقياسًا على أنه يجوز لمتولي النظر على الأوقاف عزل نفسه عند القاضي، ومن العزل: الفراغ لغيره عن وظيفة النظر أو غيره، وقد جرى العرف بالفراغ بعوض.

 

هذا وقد وجدت رسالة للمتأخرين من علماء المالكية بعنوان «جملة تقارير وفتاوى في الخلوات والإنزالات عند التونسيين» لمفتي المالكية إبراهيم الرياحي بتونس (المتوفى سنة 1266هـ) والشيخ محمد بيرم الرابع التونسي، والشيخ الشاذلي بن صالح باس مفتي المالكية بتونس، والشيخ محمد السنوسي قاضي تونس يقررون فيها جواز المعاوضة عن الخلوات عملاً بالعرف والعادة، ولأن المستأجر يملك المنفعة، فله أن يتنازل عنها بعوض كالإجارة وبغير عوض كالإعارة، فقد نقل البناني عن البرزلي في النزول عن الوظيفة ما يقتضي جوازه، ونقل فتوى الفاسيين بجواز بيع الخلو. وقال الشيخ محمد بيرم: وما أشبه الخلو بالمغارسة، غير أن الخلو لا تحصل به ملكية الرقبة لتعلقه بالمنفعة.

 

قرار مجمع الفقه الإسلامي في أخذ مقابل الخلو

 

في جدة رقم (6) لعام 1408هـ الموافق 1988م: يحسن إيراد ما تضمنه هذا القرار الذي كنت فيه رئيس لجنة صياغته:

 

أولاًـ إذا اتفق المالك والمستأجر على أن يدفع المستأجر للمالك مبلغًا مقطوعًا زائدًا عن الأجرة الدورية (وهو ما يسمى في بعض البلاد خلوًا) فلا مانع شرعًا من دفع هذا المبلغ المقطوع، على أن يعد جزءًا من أجرة المدة المتفق عليها، وفي حالة الفسخ تطبق على هذا المبلغ أحكام الأجرة.

 

ثانيًاـ إذا تم الاتفاق بين المالك وبين المستأجر أثناء مدة الإجارة على أن يدفع المالك إلى المستأجر مبلغًا مقابل تخليه عن حقه الثابت بالعقد في ملك منفعة بقية المدة، فإن بدل الخلو هذا جائز شرعًا؛ لأنه تعويض عن تنازل المستأجر برضاه عن حقه في المنفعة التي باعها للمالك.

 

أما إذا انقضت مدة الإجارة، ولم يتجدد العقد صراحة أو ضمنًا عن طريق التجديد التلقائي حسب الصيغة المفيدة له، فلا يحل بدل الخلو؛ لأن المالك أحق بملكه بعد انقضاء حق المستأجر.

 

ثالثًاـ إذا تم الاتفاق بين المستأجر الأول والمستأجر الجديد أثناء مدة الإجارة على التنازل عن بقية مدة العقد، لقاء مبلغ زائد عن الأجرة الدورية، فإن بدل الخلو هذا جائز شرعًا، مع مراعاة مقتضى عقد الإجارة المبرم بين المالك والمستأجر الأول، ومراعاة ما تقضي به القوانين النافذة الموافقة للأحكام الشرعية.

 

على أنه في الإجارات الطويلة المدة خلافًا لنص عقد الإجارة طبقًا لما تسوغه بعض القوانين، لا يجوز للمستأجر إيجار العين لمستأجر آخر، ولا أخذ بدل الخلو فيها إلا بموافقة المالك.

 

أما إذا تم الاتفاق بين المستأجر الأول وبين المستأجر الجديد بعد انقضاء المدة، فلا يحل بدل الخلو، لانقضاء حق المستأجر الأول في منفعة العين. (الفقه الإسلامي وأدلته- 5/3825). والله تعالى أعلى وأعلم.

 

روابط ذات صلة:

بدل الخلو.. حكمه وضوابط الجواز

قانون «الإيجار القديم» في ميزان «عقد الإجارة» في الإسلام