حكم بيع وشراء "فواحة" على شكل مجسم الكعبة المشرفة

<p>انتشر في الآونة الأخيرة جهاز لتشغيل القرآن الكريم بأصوات عدد من القرّاء، ويأتي بأشكال وتصاميم متعددة، منها الأباجورة، والمصباح، والكرة، وغيرها، ومن بينها تصميم على هيئة الكعبة المشرفة.</p><p> في البداية لم أجد حرجًا في وجود جهاز لتشغيل القرآن على هيئة مجسّم للكعبة، لكن ظهر لاحقًا تصميم أكثر تحديدًا؛ حيث أصبح الجزء العلوي من مجسّم الكعبة مخصصًا لوضع البخور، وعند تشغيل الجهاز بالكهرباء يسخن الجزء العلوي، فيتصاعد منه الدخان ورائحة البخور، بينما يستمر الجهاز في الوقت نفسه بتشغيل تلاوة القرآن الكريم. وهنا شعرتُ بتردد شديد في شراء هذا الجهاز؛ لأنني أخشى أن يكون في ذلك نوع من الاستهانة أو عدم التعظيم لشعيرة الكعبة المشرفة، خصوصًا أن شكل بيت الله الحرام أصبح مجسّمًا يُستخدم في الوقت نفسه كمبخرة، ويخرج الدخان والحرارة من أعلاه، وكأن الكعبة نفسها تُستخدم موضعًا لإشعال البخور. قال الله تعالى: ﴿ذَٰلِكَ وَمَن يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِن تَقْوَى الْقُلُوبِ﴾ [الحج: 32].</p><p> ولا أعلم هل هذا الشعور في محلّه شرعًا، أم أنني أبالغ في تقديري للمسألة. كما أن بعض من يبيعون هذه الأجهزة يربطون بين تشغيل القرآن وإشعال البخور، ويذكرون أن البخور يساعد على طرد الجن والشياطين أو التخلص من السحر والعين والحسد، ولذلك جُمِع بين تلاوة القرآن والبخور في جهاز واحد.</p><p> فما حكم الشرع في:</p><p> 1. تصنيع هذا الجهاز وتصميمه على هيئة الكعبة المشرفة مع تخصيص سقفه لإشعال البخور وخروج الدخان منه؟</p><p> 2. شراء هذا الجهاز واستخدامه في المنزل؟</p><p> 3. الجمع بين تشغيل القرآن الكريم وإخراج البخور بهذه الطريقة؟</p><p> 4. ما حكم اعتقاد أن البخور يساعد على طرد الجن أو علاج السحر والعين والحسد؟</p><p> 5. وما حكم التجار الذين يستوردون هذه الأجهزة ويبيعونها للناس إذا كان في تصميمها أو طريقة استخدامها محذورا شرعيا؟</p><p> أرجو بيان الحكم بتفصيل، وهل مجرد شعوري بعدم ارتياح لهذا التصميم يُعدّ من تعظيم شعائر الله، أم أن هذا الأمر لا حرج فيه شرعًا؟ وجزاكم الله خيرًا.</p>

الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده، وبعد:

 

فأهلاً وسهلاً ومرحبًا بك أخي الكريم، وإن شريعة الإسلام قامت على تعظيم حرمات الله وشعائره، قال الله تعالى: ﴿ذَٰلِكَ وَمَن يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِن تَقْوَى الْقُلُوبِ﴾ [الحج: 32]. وإن الكعبة المشرفة هي قبلة المسلمين وأعظم شعائر الإسلام الظاهرة، وتوقيرها والابتعاد عن كل ما قد يؤدي إلى ابتذال استخدامها أو التشبيه المنقص لشأنها واجب شرعي محتم.

 

ملخص الفتوى:

 

يحكم هذه المسألة ثلاث قواعد من قواعد الفقه الإسلامي الكبرى، الأولى: سد الذرائع، فإذا كان تصنيعها وبيعها واستخدامها يؤول في الغالب إلى عمل شركي، أو تبرك غير مشروع فكل مراحلها بدءًا من تصنيعها مرورًا ببيعها ثم استخدامها يحمل على الحرمة. والثانية هي تعظيم شعائر الله، فإذا كان تصنيعها واستخدامها على هذا النحو يؤدي إلى امتهان الكعبة وسقوط هيبتها من نفوس الصغار والكبار، فيحرم قطعا. والثالثة: النهي عن إضاعة المال: فشراء المجسمات المجردة والإكثار منها، نوع من السرف المنهي عنه، والأمر على أية حال من الأمور التي يسهل الاستغناء عنها، وبُعد المسلم عن مواطن الشبهات أسلم وأغنم، فيمكن للمستورد أن يكتفي باستيراد المجسمات الأخرى للفواحات، ويمتنع عن شراء مجسم الكعبة، وبالنسبة للمستخدم فبالطبع الابتعاد عن شرائها أفضل، وهي ليست من الضرورات وبيقين ليس من وراء شرائها منفعة تذكر.

 

وبالتالي فكما يظهر فربما يكون بيعها في دولة ما مكروهًا أو مباحًا، وبيعها في دولة أخرى حرامًا، حسب ما تؤول إليه الأمور، فإن صاحبها واحد من المحاذير الثلاثة السابقة فالحكم كالتالي:

 

• تصنيع الجهاز وتصميمه: لا يجوز تصنيع أجهزة على شكل الكعبة المشرفة يُجعل أعلى سقفها مكانًا لإشعال البخور وخروج الدخان؛ لما في ذلك من ابتذال لمجسم الكعبة المشرفة والمساس بحرمتها وتعظيمها الواجب.

 

• شراء الجهاز واستخدامه: يكره أو يحرم شراؤه واستخدامه في المنازل تبعاً لما يحتويه من امتهان لشعار الكعبة، ودفعًا للشبهات.

 

• الجمع بين القرآن والبخور: تشغيل القرآن الكريم أمر مشروع وفيه بركة، والبخور لغرض التطيب مباح، أما ربطهما معًا على وجه التعبد أو الاعتقاد بأن البخور يكمل أثر القرآن فهو من المحدثات.

 

• اعتقاد أن البخور يطرد الجن أو يعالج السحر: اعتقاد باطل لا أصل له في الكتاب والسنة؛ فالشياطين تُطرد بذكر الله وتلاوة القرآن كآية الكرسي وسورة البقرة، ولا تُطرد برائحة البخور.

 

• حكم التجار والمستوردين: لا يجوز استيراد هذه الأجهزة ولا بيعها ولا الترويج لها؛ لما فيه من التعاون على الإثم والعدوان وتسويق البدع والترويج لامتهان شعائر الله.

 

• شعور السائل بعدم الارتياح: شعورٌ صحيح وفي محله شرعًا، وهو من علامات تقوى القلوب وتعظيم شعائر الله تعالى.

 

آراء العلماء والمجامع الفقهية في صنع مجسم للكعبة:

 

قال الشيخ عبد العزيز بن باز رحمه الله في مجموع فتاوى ابن باز المجلد 8 - الصفحة 361: "الرقية الشرعية تكون بالقرآن الكريم والأدعية المأثورة، وأما استعمال البخور لطرد الشياطين أو علاج المس والعين فلا أصل له في الشرع، وهو من خرافات العامة وعقائد غير أهل السنة".

 

وجاء في فتاوى اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء بالسعودية المجموعة الأولى - المجلد 13 - الصفحة 30: "صنع مجسمات للكعبة المشرفة والمقام والمسجد الحرام لغرض التجارة أو الزينة أمر لا يجوز؛ لما يتطرق إلى ذلك من الامتهان والابتذال لشعائر الله، ولأن الشريعة جاءت بسد الذرائع المؤدية إلى الشرك أو الامتهان".

 

القواعد الفقهية الحاكمة في صنع مجسم للكعبة:

 

قاعدة: "الوسائل لها أحكام المقاصد"

 

تصنيع أجهزة تُجسّد المقدسات بطريقة تؤدي للامتهان أو الاعتقادات الفاسدة ممنوع؛ لأن الوسيلة المؤدية إلى الحرام حرام.

 

قاعدة: "سد الذرائع"

 

منع فتح أبواب الابتذال لشعائر الإسلام مثل الكعبة المشرفة، لئلا يتجرأ الناس على صنع مجسمات للمقدسات واستخدامها في أغراض منزلية وتجارية مهينة.

 

قاعدة: "الأصل في العبادات التوقيف"

 

ربط البخور بتلاوة القرآن الكريم على أنه جزء من طرد الشياطين أو السحر يُعد إحداثًا في الدين بغير دليل شرعي.

 

قاعدة: "درء المفاسد مقدم على جلب المصالح"

 

حتى وإن كان في الأجهزة مصلحة الاستماع للقرآن، فإن مفسدة ابتذال صورة الكعبة وترويج العقائد الخاطئة مقدمة في المنع. والله تعالى أعلى وأعلم.

 

روابط ذات صلة:

استعمال الواقع الافتراضي (الميتافيرس ) لتعليم مناسك الحج