<div>ما أهمية الطموح في حياتنا؟ وكيف نغذيه لعقولنا؟ وكيف يؤثر الطموح على طريقة تفكيرنا وسلوكيات الإنسان؟</div>
أخي
الكريم، تحدث الفلاسفة عن الفضائل، وخلصوا أن الفضيلة ما هي
إلا وسط بين رذيلتين، والرذيلتان هما الغلو والتفريط؛ لذا فالتوازن والوسطية
والاعتدال هي المركز الذي تدور حوله الفضائل، ومن بينها الطموح الذي يُعد فضيلة
ونعمة إذا كان في إطار دافعيته وتحفيزه للترقي والصعود والتطوير، وقد يتحول إلى
نقمة إذا تحول لضغط نفسي وعصبي يرهق الإنسان ولا يقيم للفضيلة والقيم أي وزن إذا
لم يُحقق له ما يريد.
الطموح
والمجتمع الحديث
أخي
الكريم، في استشارة سابقة بعنوان "كيف
أستفيد من الطموح لصحتي العقلية والنفسية؟" ذكرنا أن الطموح من
الخصائص التي ميّز الله تعالى بها الإنسان، والطموح هو "السعي الدؤوب والشامل
لتحقيق النجاح والإنجاز"؛ فالطموح لا ينتهي أبدًا، فكل مرحلة يحقق فيها
الإنسان نجاحًا، يرتفع طموحه وتطلعاته لمرحلة أخرى من النجاح والإنجاز.
ولكن
السؤال: هل أثر المجتمع الحديث على طموح الإنسان المعاصر، ورفع سقفه، وهو ما
أرهق الإنسان، وجعله يجري وراء طموحاته التي لا تنتهي إلا لتبدأ؟
الحقيقة
أن من سمات المجتمع الحديث التطور المتسارع وزيادة الاعتماد على التكنولوجيا
الرقمية وقوة الأسواق وتنامي الثقافة الفردية والنزعة الاستهلاكية، كل ذلك وغيره
أدى إلى زيادة الرغبات الإنسانية، فأصبح الإنسان يعيش في مجتمع مهووس
بالاستهلاك والترفيه، وهنا أصبح الطموح ذا وجهين، أولهما: الرغبة
والطموح في الاستهلاك والتمتع وامتلاك وسائل الترفيه، وثانيهما: أن
تحقيق ذلك لا يتم إلا من خلال امتلاك الموارد والقدرات التي تُمكن الإنسان من تلك
الرغبات والطموح، ومن ثم تحول الطموح إلى وسيلة وغاية في ذات الوقت.
الطموح
المفرط في تلك الحالة تحول حلقة مفرغة ترهق الإنسان، فيتخلى عن ساعات من نومه
لينهمك في العمل، ويضيع على نفسه بعضًا من رعايته لأسرته والاستماع إليهم، كما أنه
تسبب في أن يفتقد الإنسان للبهجة في حياته، والبهجة أصبحت مرتبطة بمعيار هو أن
تقدير الذات لا يكون إلا من خلال إنجاز الطموحات، وبالتالي فإن أي إخفاق يفجر
معاناة وتوترًا نفسيًّا.
أخي
الكريم، من الضروري أن نؤكد أن الطموح المفرط، قد يغري صاحبه
بسلوكيات سلبية وغير أخلاقية، في دراسة علمية نشرت في فبراير عام 2025م بعنوان
"الطموح سلاح ذو حدين: النجاح
المهني والسلوك غير الأخلاقي"، ذكرت أن الطموح المفرط قد يُفضي في
بعض الأحيان إلى سلوكيات غير أخلاقية خاصة إذا كان موجهًا نحو الخارج، كالرغبة في
الحصول على الشهرة أو السلطة أو المال، وأن ارتفاع مستوى الطموح قد يرتبط بزيادة
الاستعداد لانتهاك الأعراف الاجتماعية، حيث يعطي الفرد الاهتمام للغاية وليس
للوسيلة.
ومن
هنا فإن الطموح المفرط قد يتحول إلى هوس يعيق التعاون والتواضع والتواصل
والإنسانية، ويغري الإنسان ليضحي بأشياء ويفرط في علاقات لا يمكن التضحية بها.
نعمة
الطموح
أخي
الكريم، الطموح
المعتدل نعمة، فهو المحفز للعمل والدافع للإنجاز، والمحرض على التغيير، وما نمت
العلوم والمعارف إلا بطموح الكثير من العلماء والمفكرين، ومن مزاياه:
* الدافعية: فالطموح هو الرؤية أو الهدف البعيد الذي يضعه الإنسان نصب عينيه،
أما الدافعية فهي الطاقة والقوة المحركة التي تدفعه لبذل الجهد وتجاوز العقبات
لتحقيق تلك الرؤية، وكلاهما يكمل الآخر للوصول إلى النجاح.
* الابتكار والإبداع: الطموح يغري بالمخاطرة وارتياد الأفكار الجديدة،
والرغبة في الاستكشاف، حيث يكسر الطموح قيود التقاليد الجامدة.
* المثابرة: بدون الطموح تقل قدرة الإنسان على الصبر؛ فالطموح يمنحه المثابرة
والإصرار والعزيمة على تحقيق هدفه، وبدون المثابرة يظل الطموح مجرد تمنيات جوفاء
يستطيعها أي شخص.
*المرونـة:
الطموح يلهم الإنسان المرونة ويعلمه درسًا، أن الإنسان الطموح مثل الجندي القناص،
يغير موقعه، ولكن لا يغير هدفه؛ فالمرونة هي القدرة على التكيف مع المتغيرات
وتجاوز العقبات والانتكاسات.
موضوعات
ذات صلة:
هل يعيد
التفكير في المستقبل تشكيل تفكيرنا؟
ما علاقة
العقل بصناعة الأمنيات؟
ما هي
الدراسات المستقبلية وأهميتها؟
هل
عقولنا قادرة على إلهامنا الأمل؟