<p><span style="font-family: "Simplified Arabic", serif; font-size: 14pt; text-align: justify;">السلام عليكم ورحمة الله وبركاته..</span></p><p class="MsoNormal" dir="RTL" style="margin-bottom:0cm;text-align:justify; line-height:normal;direction:rtl;unicode-bidi:embed"><span lang="AR-SA" style="font-size:14.0pt;font-family:"Simplified Arabic",serif">أنا مراجع وموجه الأئمة والخطباء في دائرة الشؤون الإسلامية بمدينة رئيسية. <o:p></o:p></span></p><p class="MsoNormal" dir="RTL" style="margin-bottom:0cm;text-align:justify; line-height:normal;direction:rtl;unicode-bidi:embed"><span lang="AR-SA" style="font-size:14.0pt;font-family:"Simplified Arabic",serif">أتوجه إليكم بطلب استشارة لحل أزمة مزمنة ومزعجة؛ وهي ظاهرة "العشوائية الحادة وغياب المنهجية العلمية والواقعية في إعداد وتقديم خطب الجمعة".<o:p></o:p></span></p><p> </p><p class="MsoNormal" dir="RTL" style="margin-bottom:0cm;text-align:justify; line-height:normal;direction:rtl;unicode-bidi:embed"><span lang="AR-SA" style="font-size:14.0pt;font-family:"Simplified Arabic",serif">المشكلة تكمن في أن جل الخطباء لا يزالون يرتجلون خطبهم قبل الصلاة بساعات قليلة، أو ينقلونها جاهزة من شبكة المعلومات دون مراعاة لاحتياجات الحي ومشكلاته الواقعية؛ فتجد الخطيب يتحدث عن قضايا فقهية خلافية معقدة أو مواضيع تاريخية مكررة، بينما يغرق المصلون في مشكلات مخيفة مثل الغش التجاري، انتشار المخدرات، قطيعة الأرحام، وجفاف التعامل الأخلاقي في الأسواق؛ مما جعل خطبة الجمعة تفقد هيبتها وتتحول إلى طقس شكلي ينام فيه المصلون ولا يتغير سلوكهم بعد خروجهم.. كيف نطور وسائل الدعوة المنبرية ونبني منظومة خطابة استراتيجية وواقعية؟<o:p></o:p></span></p>
وعليكم السلام
ورحمة الله وبركاته، حياكم الله وبياكم أيها الموجه الفاضل والمسؤول المبارك؛ إن
تشخيصك الدقيق لخلل "عشوائية وجفاف خطب الجمعة" يمس صميم الميدان الدعوي
الإعلامي الأقوى والأكثر انتشارًا في العالم الإسلامي؛ فمنبر الجمعة هو الوسيلة
الإعلامية والتربوية الوحيدة التي تجمع المسلمين كافة بكل فئاتهم ومستوياتهم
الفكرية أسبوعيًّا وبإنصات تام، وتفريط الخطيب في إعداد هذه المادة بأسلوب علمي
وواقعي يلامس جراح الناس ويصلح سلوكهم هو تضييع لأعظم أدوات التغيير والتبليغ.
إن الشريعة
الإسلامية جعلت خطبة الجمعة شعيرة عظيمة لتعليم الأمة، وتوجيه مسارها الأخلاقي،
وعلاج مشكلاتها الاجتماعية بروح الوحي وهدي النبوة؛ وتأمل هدي النبي ﷺ في خطابه
المنبري؛ فلم يكن يعيش في برج عاجي معزول عن أحداث مجتمعه، بل كانت خطبه ﷺ تنطلق
من واقع الناس وأزماتهم وحياتهم اليومية؛ فإذا رأى فقرًا مدقعًا دخل المنبر وحث
على الصدقة حتى تغير الحال، وإذا رأى خلافًا بين الأوس والخزرج نزل وخطب لإخماد
العصبية، وكانت كلماته بليغة، واضحة، مؤثرة، تقود السلوك مباشرة.
ووصف الصحابة
خطبته ﷺ بأنها كانت كـ "منذر جيش"، يشتد غضبه ويعلو صوته لحماية حمى
الدين والأخلاق؛ والله تعالى يقول: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا
نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِن يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ﴾
[الجمعة: 9]، والذكر الحقيقي هو العلم الذي يحيي النفوس ويصلح الدنيا والآخرة.
فالجمود على الخطب المكررة والهروب من قضايا الواقع هو تعطيل حاد لمقاصد المنبر
الدعوية.
إن التطوير يفرض
على قطاع الأوقاف والتوجيه الانتقال بالخطباء من مربع "الارتجال الفردي
والعاطفي الصرف" إلى مربع "الخطابة الاستراتيجية الهادفة
والممنهجة"؛ بجعل خطبة الجمعة مشروعًا تربويًّا يسير وفق خطط ربع سنوية
مدروسة تعالج الواقع وتغير السلوك بأدوات إقناع وبلاغة معاصرة.
ولبناء
خارطة طريق عملية لتطوير خطباء مدينتكم نوصي بالآتي:
أولاً: بناء
"الخارطة الموضوعية الاستراتيجية لخطب الجمعة"، وهي خطة مرنة تقسم العام
إلى حزم موضوعية (مثال: الربع الأول لتعزيز قيم البيوع والمعاملات المالية
والأمانة في الأسواق، الربع الثاني لحماية الكيان الأسري وتربية الأبناء، الربع
الثالث للأمن الفكري وحماية عقيدة الشباب)، مع ترك مساحة (20%) للخطيب لمعالجة
الأحداث والنيابات الطارئة في حيه.
ثانيًا: إطلاق
"منصة إعداد الخطيب الذكية"، وهي قاعدة بيانات رقمية تزود الخطباء دوريًّا
بإحصاءات واقعية ودراسات اجتماعية موثوقة حول المشكلات المنتشرة في مجتمعهم، مع
توفير المادة العلمية المؤصلة شرعياً للخطبة (الآيات، الأحاديث، فتاوى المجامع
الفقهية المعاصرة) لمساعدتهم في الصياغة المحترفة والعميقة والابتعاد عن النقل
الضعيف.
ثالثًا: تفعيل
"برنامج التقييم والتغذية الراجعة والملاحظة بالمشاركة للخطباء"، من
خلال تعيين لجان سرية متخصصة تستمع للخطب وتقيمها بناءً على معايير: (وضوح الهدف،
ملامسة الواقع، صحة النصوص، لغة الجسد والبلاغة، ومستوى تأثيرها في المصلحين)،
وعقد دورات تدريبية مستمرة لمن يظهر لديه ضعف مهاري.
وأنصحك
ختامًا بما يأتي:
• الزم الخطباء
بـ "منع الإطالة المملة وتكثيف المادة في 15 دقيقة مركبة"، عملاً بالهدي
النبوي: «إنَّ طُولَ صَلَاةِ الرَّجُلِ، وَقِصَرَ خُطْبَتِهِ، مَئِنَّةٌ مِنْ
فِقْهِهِ»
• احرص على تشجيع
الأسلوب "القصصي والحواري واللمس النفسي" على المنبر، والابتعاد التام
عن أسلوب الصراخ الجاف والتهجم الذي ينفر العقول والقلوب.
• لا تتردد في
تحويل خطبة الجمعة المتميزة إلى مقاطع رقمية قصيرة وتنشر عبر حسابات المسجد
الرقمية لتوسيع نطاق الاستفادة لأولئك الذين لم يحضروا الخطبة.
وأسأل الله
العظيم أن يبارك في منابركم، ويجعل خطباءكم ألسنة صدق وحق، يحيون القلوب ويصلحون
العباد والبلاد بعلم وحكمة وإخلاص.
روابط ذات صلة:
كيفية دمج القضايا المعاصرة في خطبة الجمعة بأسلوب مؤثر
فن الخطابة والدعوة.. أساليب التأثير وتجنب الملل