مضار ومخاطر التسويق الشبكي على الفرد والمجتمع

أعمل في شركة تسويق شبكي، حيث يُطلب مني دفع مبلغ مالي لشراء منتج معين، ثم البدء في إقناع أشخاص آخرين بالاشتراك لآخذ عمولة عن كل شخص يسجل من طريقي، وعمولة أخرى عن الأشخاص الذين يسجلون عن طريقهم؛ فهل الأرباح التي أجنيها من هذا التسويق حلال أم تدخل في الربا والغرر؟

الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده، وبعد:

 

فأهلاً وسهلاً ومرحبًا بك أخي الكريم، واعلم حفظك الله ورعاك، أن معاملات التسويق الشبكي والهرمي تُعَدُّ من القضايا المعاصرة التي حظيت ببحث مستفيض من قِبل الفقه الحديث والمجامع الفقهية؛ نظرًا لتسترها بصورة البيع والتجارة المباحة، بينما حقيقتها ومآلها يختلفان كليًا عن عقود البيع والسمسرة المشروعة.

 

اختصارًا: انتهى إجماع عامة المجامع الفقهية ودور الإفتاء المعتبرة إلى تحريم التسويق الشبكي والهرمي الذي يشترط فيه شراء سلع أو "باقات" للانضمام إلى شجرة الأعضاء وتحصيل العمولات عبر جذب مشتركين آخرين.

 

العلة الجوهرية للتحريم تدور حول أن الغاية الحقيقية للعملية هي العمولات المالية وليس المنتج. هذا الترتيب يجعل العقد دائرًا بين الغرر، والمغامرة والمقامرة، وأكل أموال الناس بالباطل؛ حيث تُبنى منظومته على هيكل لا يربح فيه سوى القلة في القمة، بينما تكابد القاعدة العريضة في المستويات الدنيا الخسارة المالية. كما تتضاعف خطورته الأخلاقية والشرعية في جهل المنغمسين فيه بالحقوق التي هُضمت، مما يُعسّر التوبة وإعادة الحقوق لأصحابها.

 

قرارات دور الإفتاء في التسوق الشبكي

 

اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء السعودية: حسمت القول بتحريم هذا التعامل؛ لكون دفع المال فيه لا يقابله شراء منتج مقصود لذاته، بل بغية نيل عمولات تفوق قيمة المدفوع، وهو جوهر الميسر والقمار.

 

مجمع الفقه الإسلامي ودار الإفتاء المصرية والأردنية: اتفقت على التحريم المباشر، وصنّفت هذه الممارسات باعتبارها صورًا مستحدثة ومطورة من الربا والغرر الفاحش.

 

الآثار والأضرار الاقتصادية والاجتماعية للتسوق الشبكي

 

أولاً: على مستوى الفرد

 

الاستنزاف المالي: تُظهر البيانات الاقتصادية أن الغالبية العظمى تتجاوز 90% من المشاركين يتعرضون لخسائر مالية ولا يستردون قيمة رأس المال أو الباقة الأولى.

 

الاستهلاك القسري: إجبار المشارك على اقتناء منتجات لا حاجة له بها وبأسعار مضاعفة، فقط لتأمين حق العضوية والتأهل للعمولات.

 

ثانيًا: على مستوى المجتمع والاقتصاد

 

تزييف النشاط الاقتصادي: تفتقر هذه الكيانات إلى تقديم قيمة مضافة أو إنتاج حقيقي، بل تقتصر على إعادة تدوير الأموال وتجميعها من القاعدة لصالح القمة.

 

تآكل الثقة الاجتماعية: الاعتماد الأساسي على استغلال دوائر القرابة والصداقة لترويج الاشتراكات، مما يؤدي إلى قطيعة الأرحام وتوتر العلاقات الاجتماعية عند بروز الخسائر والتغرير.

 

تضخيم الأسعار: رفع أسعار السلع بصورة فاحشة عن قيمتها السوقية العادلة لتغطية العمولات المتعددة في الهرم.

 

الفرق بين السمسرة المشروعة والتسويق الشبكي

 

تتحقق السمسرة الحلال عندما يقتصر دور الوسيط على تسويق منتج ملموس ونافع، ويكون أجر الوساطة العمولة مدفوعًا من البائع لقاء جهد ملموس في إتمام البيع، دون اشتراط رسوم دخول، أو إلزام بشراء المنتج، أو ربط الربح بجلب أعضاء جدد يدفعون رسومًا يستفيد منها من هم أعلى في السلسلة.

 

القواعد الفقهية الحاكمة في التسوق الشبكي:

 

"العبرة في العقود للمقاصد والمعاني لا للألفاظ والمباني":

 

تسمية العملية "بيعًا" أو "تسويقًا" لا يغير من حقيقتها؛ فالقصد الواقعي هو مبادلة مال بمال أكبر منه مع إقحام سلعة صورية في المنتصف للتغطية على الربا والغرر، بدليل التفاوت الفاحش بين القيمة الفعلية للسلعة وسعر بيعها داخل الشبكة.

 

"الغرم بالغنم":

 

يستوجب الشرع أن تكون فرصة الربح مقابل تحمل المخاطرة المشروعة. أما في هذه الشركات، فيتحمل المشترك خسارة حقيقية "الغرم" لقاء ربح موهوم غير يقيني "الغنم" يرتهن بقدرته على استقطاب الآخرين.

 

"النهي عن بيعتين في بيعة":

 

تتضمن هذه المعاملة اشتراط عقد بيع المنتج مع عقد سمسرة بالعمولة، وجعل أحدهما شرطًا للآخر، وهو من العقود المركبة المنهي عنها شرعًا.

 

"الأصل في العقود والشروط الإباحة إلا ما خالف النص":

 

على الرغم من استصحاب أصل الإباحة في المعاملات المالية، إلا أن هذا التعامل خرج عن الأصل لثبوت مخالفته الصريحة للنصوص الناهية عن الربا والغرر وأكل أموال الناس بالباطل. والله تعالى أعلى وأعلم.

 

روابط ذات صلة:

التسويق الشبكي.. خسارة في الدنيا وعقوبة في الآخرة

التسوق الشبكي.. التعريف والحكم