حكم استثمار وزكاة أموال الصغار في البنك

توفي أخي وترك زوجة وطفلين صغيرين، فقمنا نحن أعمام الأولاد بفتح "حساب استثماري" لأموال الأيتام في البنك حتى لا تأكلها الزكاة والنفقة؛ فهل تجب الزكاة في أموال الصبي الصغير واليتيم، أم أن الزكاة لا تجب إلا على البالغ العاقل؟

الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده، وبعد:

 

فأهلاً وسهلاً ومرحبًا بك أخي الكريم، وإن حماية أموال الأيتام ورعايتها وتنميتها من أوجب الواجبات التي أناطها الشرع الشريف بأولياء الأيتام وأوصيائهم؛ قال الله تعالى: ﴿وَلَا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ حَتَّىٰ يَبْلُغَ أَشُدَّهُ﴾ [الإسراء: 34]. وما قمتم به من السعي لحفظ مال أولاد أخيكم المتوفى وتنميته لتجنب تآكله بالنفقة والزكاة هو مسلكٌ محمود شرعًا ومندوب إليه، وله أصلٌ في السنة النبوية الشريفة وأقوال الفقهاء.

 

اختصارًا:

 

أولًا: حكم إيداع واستثمار أموال الصغار في البنوك:

 

يجوز إيداع واستثمار أموال الأيتام في البنوك بشرطين أساسيين:

 

أن يكون الاستثمار عبر حسابات استثمارية إسلامية خالية من الربا وفق أحكام المضاربة أو المرابحة الشريعة.

 

أن يكون الاستثمار آمنًا وموثوقًا يُحافظ على أصل مال اليتيم من المخاطرة أو الضياع، ولا يجوز إيداعها في حسابات بفائدة ربوية أو الاستثمار في مجالات عالية المخاطرة.

 

ثانيًا: حكم الزكاة في مال الصغير واليتيم والخلاف الفقهي فيها:

 

في المسألة خلاف فقهي بين العلماء:

 

جمهور الفقهاء المالكية، والشافعية، والحنابلة: تجب الزكاة في مال الصبي والمجنون واليتيم متى بلغ النصاب وحال عليه الحول، ويوجه الخطاب لوليه ليتولى إخراجها من مال اليتيم.

 

الحنفية: لا تجب الزكاة في مال الصبي غير البالغ إلا في زكاة الزروع والثمار؛ لأن الزكاة عندهم عبادة يشترط فيها البلوغ والعقل.

 

والراجح والمعمول به هو قول الجمهور بوجوب إخراج الزكاة في مال اليتيم لحفظ حق الفقراء، ولأن الزكاة حق متعلق بالمال لا بذمة المكلف فقط.

 

وتفصيلاً:

 

أولًا: آراء العلماء في استثمار وتنمية مال اليتيم

 

حث الشرع أولياء الأيتام على استثمار أموالهم حتى لا تُذهبها النفقة أو الواجبات المالية.

 

من السنة النبوية والآثار: روى الترمذي والدارقطني عن النبي ﷺ أنه قال: «أَلَا مَنْ وَلِيَ يَتِيمًا لَهُ مَالٌ فَلْيَتَّجِرْ فِيهِ، وَلَا يَتْرُكْهُ حَتَّى تَأْكُلَهُ الصَّدَقَةُ».

 

وروي عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أنه قال: «ابتغوا في أموال اليتامى لا تأكلها الصدقة».

 

المذهب الشافعي: جاء في «المجموع شرح المهذب» للإمام النووي جـ 9، ص 343: «يُسْتَحَبُّ لِلْوَلِيِّ أَنْ يَتَّجِرَ فِي مَالِ الصَّبِيِّ وَالْمَجْنُونِ أَوْ يَدْفَعَهُ إلَى مَنْ يَتَّجِرُ فِيهِ مُضَارَبَةً لِئَلَّا تَأْكُلَهُ الصَّدَقَةُ، وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَتَّجِرَ إلَّا فِي شَيْءٍ ظَاهِرِ الرِّبْحِ آَمِنِ الْغَرَرِ».

 

المذهب الحنبلي: جاء في «المغني» للإمام ابن قدامة جـ 6، ص 611: «وَلِلْوَلِيِّ أَنْ يَدْفَعَ مَالَ الْيَتِيمِ مُضَارَبَةً، وَبِذَلِكَ قَالَ مَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ... لِأَنَّ الَّذِي يَعْمَلُ بِمَالِهِ إنَّمَا يَعْمَلُ لِمَصْلَحَتِهِ، وَفِي الدَّفْعِ مُضَارَبَةً مَصْلَحَةٌ لَهُ بِتَنْمِيَةِ مَالِهِ وَحِفْظِهِ مِنْ التَّآكُلِ».

 

ثانيًا: آراء العلماء في وجوب الزكاة في مال الصغير واليتيم

 

القول الأول: وجوب الزكاة في مال الصغير واليتيم قول الجمهور وهو قول عمر، وعلي، وابن عمر، وعائشة، وابن عباس من الصحابة رضي الله عنهم، وبقولهم أخذ المالكية والشافعية والحنابلة.

 

المذهب الشافعي: جاء في «المجموع شرح المهذب» للإمام النووي جـ 5، ص 329: «تَجِبُ الزَّكَاةُ فِي مَالِ الصَّبِيِّ وَالْمَجْنُونِ عِنْدَنَا وَعِنْدَ مَالِكٍ وَأَحْمَدَ وَجَمَاهِيرِ الْعُلَمَاءِ مِن أَهْلِ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ فَمَنْ بَعْدَهُمْ... لِعُمُومِ النَّصُوصِ فِي وُجُوبِ الزَّكَاةِ فِي الأَمْوَالِ مِنْ غَيْرِ فَصْلٍ بَيْنِ بَالِغٍ وَصَبِيٍّ».

 

المذهب الحنبلي: جاء في «المغني» للإمام ابن قدامة جـ 2، ص 486: «وُجُوبُ الزَّكَاةِ فِي مَالِ الصَّبِيِّ وَالْمَجْنُونِ عَامٌّ فِي جَمِيعِ الأَمْوَالِ... لِقَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ: «فِي الرِّقَةِ رُبُعُ العُشْرِ»، وَلِأَنَّ الزَّكَاةَ حَقٌّ يَجِبُ فِي المَالِ لِلْمَسَاكِينِ، فَيَجِبُ فِي مَالِ الصَّبِيِّ كَنَفَقَةِ الأَقَارِبِ وَالقِيَمِ وَالأَرْشِ».

 

المذهب المالكي: جاء في «الكافي في فقه أهل المدينة» لابن عبد البر جـ 1، ص 291: «تَجِبُ الزَّكَاةُ فِي أَمْوَالِ الصِّبْيَانِ وَالْمَجَانِينِ إِذَا بَلَغَتْ نِصَابًا وَحَالَ عَلَيْهَا الْحَوْلُ، وَعَلَى أَوْلِيَائِهِمْ إِخْرَاجُهَا مِنْ أَمْوَالِهِمْ».

 

القول الثاني: عدم وجوب الزكاة في مال الصغير قول الحنفية

 

وهو مذهب الإمام أبي حنيفة وأصحابه، ووافقهم ابن مسعود وابن عباس في إحدى الروايات.

 

المذهب الحنفي: جاء في «بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع» للإمام الكاساني جـ 2، ص 4: «وَأَمَّا الشَّرَائِطُ الَّتِي تَرْجِعُ إِلَى الْمُكَلَّفِ فَمِنْهَا العَقْلُ وَالبُلُوغُ، فَلَا تَجِبُ الزَّكَاةُ فِي مَالِ الصَّبِيِّ وَالْمَجْنُونِ عِنْدَ أَصْحَابِنَا... لِأَنَّ الزَّكَاةَ عِبَادَةٌ محَضَةٌ، وَالعِبَادَةُ لا تَجِبُ إِلا عَلَى المَكَلَّفِ العَاقِلِ البَالِغِ».

 

الفتاوى المعاصرة في وجوب الزكاة في مال الصغير واليتيم:

 

استقرت هَيئات الإفتاء المعاصرة كـ اللجنة الدائمة للإفتاء بالسعودية ودار الإفتاء المصرية على الأخذ برأي الجمهور بوجوب الزكاة في مال اليتيم، ويتولى الولي إخراجها سنويًّا متى تحقق النصاب ومضى الحول.

 

القواعد الفقهية الحاكمة في وجوب الزكاة في مال الصغير واليتيم

 

قاعدة: «التَّصَرُّفُ عَلَى الرَّعِيَّةِ مَنُوطٌ بِالْمَصْلَحَةِ»

 

تصرف الولي أو الوصي في مال اليتيم يجب أن يكون مقيدًا برعاية نفع اليتيم وحفظ أصل ماله واستثماره بالطرق الآمنة المباحة، ولا يجوز له المخاطرة به أو إهماله.

 

قاعدة: «الزَّكَاةُ حَقٌّ يَتَعَلَّقُ بِالْمَالِ لاَ بِالذِّمَّةِ فَحَسْبُ»

 

الزكاة ليست مجرد تكليف بدني محتسب على الأبدان، بل هي حق مالي واجب للمساكين في أصل المال متى تحققت شروطه النصاب والحول؛ ولذا تجب في مال الصغير والكبير على السواء.

 

قاعدة: «دَرْءُ الْمَفَاسِدِ مُقَدَّمٌ عَلَى جَلْبِ الْمَصَالِحِ»

 

حماية مال اليتيم من الشبهات والربا والمخاطر العالية تجب مقدمةً على تحقيق أرباح سريعة أو طائلة؛ فلا يُستثمر مال اليتيم إلا في القنوات الإسلامية الموثوقة.

 

قاعدة: «الأَصْلُ فِي الْمُعَامَلاَتِ الإِبَاحَةُ»

 

جميع أشكال المعاملات الاستثمارية والمصرفية أصلها الجواز والإباحة، ما لم يخالطها عقد ربوي أو غرر أو جهالة أو إضرار بمال اليتيم. والله تعالى أعلى وأعلم.

 

روابط ذات صلة:

حكم استثمار أموال الزكاة وضوابطه