نعيش في حي سكني ضيق، وقام جاري ببناء طابق إضافي وفتح نوافذ كبيرة تطل مباشرة على حوش منزلي ومكان جلوس عائلتي، مما تسبب في كشف خصوصيتنا تماماً ولم نعد نستطيع فتح النوافذ؛ فهل يحق لي شرعاً إجباره على إغلاق هذه النوافذ أو وضع سواتر؟ وما حكم ما فعله من الناحية الشرعية
الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده،
وبعد:
فأهلاً وسهلاً ومرحبًا بك أخي الكريم، واعلم رعاك الله
أن الشريعة الإسلامية جاءت بتحقيق المصالح ودرء المفاسد، وأولت حرمة المنازل
والمساكن عناية خاصة، فجعلت للجار حقوقًا مؤكدة، وحرمت كل ما يلحق به الأذى أو
يكشف خصوصيته. قال الله تعالى: {وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا
وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَبِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ
وَالْجَارِ ذِي الْقُرْبَى وَالْجَارِ الْجُنُبِ وَالصَّاحِبِ بِالْجَنَبِ}
[النساء: 36]، وقال النبي ﷺ: «إنَّما جُعِلَ الِاسْتِئْذَانُ مِن أَجْلِ البَصَرِ» رواه البخاري
ومسلم، مما يدل على أن حرمة النظر إلى داخل الدور كحرمة الدخول إليها بغير إذن.
اختصارًا: ما فعله جارك من فتح نوافذ تطل مباشرة على دارك ومكان جلوس عائلتك وتتسبب
في كشف خصوصيتكم حرام شرعًا ومخالف للمقاصد الشرعية في حماية حرمة البيوت.
ويحق لك شرعًا مطالبته وإجباره على رفع هذا الضرر؛ وذلك
إما بإغلاق هذه النوافذ، أو وضع سواتر دائمة تمنع الرؤية والاستشراف على حوشك ومقر
نسائك وأهلك، ويحق لك رفع الأمر إلى الجهات المختصة أو القضاء لإلزامه بذلك إذا
امتنع الجار عن إزالة هذا الضرر طوعًا.
وتفصيلاً:
اتفقت كلمة عامة الفقهاء على منع الجار من إحداث ما يضر
بجاره أو يكشف عورته وحرمة بيته، وقد صرح فقهاء الحنفية بأنه إذا أحدث الرجل في
بنائه نافذة يُشرف منها على نساء جاره أو صالة بيته، فإنه يُمنع من ذلك ويُؤمر
بدفع الضرر.
والمالكية من أشد المذاهب منعًا لما يسمى بـ "ضرر
الاستشراف"، ويرون أن كشف حريم الجار موجب لمنع الفاعل وإلزامه بالتستر.
وذهب الشافعية إلى أنه وإن كان للإنسان تصرف في ملكه،
إلا أن ترتب الإشراف والكشف لحرمة الجار يمنع منه ويوجب الحائل.
ونص الحنابلة صراحة على إجبار الجار على بناء ساتر أو
إغلاق ما يكشف حرمة جاره. جاء في «الفتاوى الهندية» 3/ 385: «إذا فتح كوة في داره
فإن كان يمكنه سدها أو وضع حائل يمنع النظر أُمر بذلك، لأن كشف عورة الجار ضرر
فاحش يمنع منه شرعاً».
وقال الإمام ابن عبد البر في «الاستذكار» 7/ 229: «لا
يختلف العلماء أنه لا يحل لأحد أن يطلع على دار جاره ولا يكشف عورته بفتحة يفتحها
ولا بظهور يظهر عليه».
وحديثًا:
من فتاوى اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء
بالسعودية: «كشف عورة الجار والتطلع على خصوصيات بيته من الأذية المحرمة شرعًا،
ويجب على من أحدث نوافذ تطل على حوش جاره أو مقره أن يجعل عليها سواتر غير كاشفة
كـ "الزجاج المغبش الثابت" أو "الشرائح المائلة الساترة" بحيث
تمنع رؤية من بالداخل تمامًا».
الشيخ محمد بن صالح العثيمين رحمه الله - «الشرح
الممتع»: أفتى بأن الإنسان إذا رفع بناءه وفتح منافذ تطل على صحن دار جاره التي
تبتذل فيها النساء، فإنه يُلزم شرعًا بوضع ما يحجب النظر؛ لأن حماية الخصوصية ومنع
الاطلاع على العورات واجب شرعي مقدم على تصرف الإنسان المصلحي في ملكه.
القواعد الفقهية الحاكمة في حكم إلحاق الأذى بالجار:
قاعدة: «لا ضرر ولا ضرار»
وهي أصل شرعي نبوي، وتقتضي تحريم إلحاق أي نوع من أنواع
الضرر بالآخرين، لا سيما الجيران.
قاعدة: «الضرر يُزال»
فرع عن قاعدة منع الضرر، وتوجب رفع الضرر الواقع وإزالته
بكل وسيلة ممكنة، وإعادة الأمر إلى حالة الصيانة والحماية.
قاعدة: «درء المفاسد مقدَّم على جلب المصالح»
تقديم منع مفسدة كشف عورة الجار وسلب خصوصيته على مصلحة
الباني في الإضاءة أو التهوية.
قاعدة: «يُتحمَّل الضرر الخاص لدفع الضرر العام / الضرر
الأشد يُزال بالضرر الأخف»
إجبار الباني على وضع ساتر أو تعديل النافذة ضرر خاص
وأخف يُتحمل في سبيل منع انتهاك حرمة البيت وعورات المسلمين ضرر أشد وأعظم. والله
تعالى أعلى وأعلم.
روابط
ذات صلة: