حكم العمل في البنوك التجارية دون أن يباشر الإقراض بنفسه

تقدمت لوظيفة محاسب في بنك تجاري يعتمد في أرباحه على القروض الربوية، وطبيعة عملي ستكون فقط تقييد الحسابات ومراجعة الدفاتر دون توقيع عقود القروض أو تسليم الأموال؛ فهل الراتب الذي سأتقاضاه من هذا العمل حلال، أم أنني أعتبر معيناً على الحرام؟

الحمد لله، وحده والصلاة والسلام على من لا نبي بعده، وبعد:

 فأهلاً وسهلاً ومرحبًا بك أخي الكريم، من أعظم النعم على العبد في دينه ودنياه أن يرزقه الله الكسب الحلال واللقمة الطيبة، وقد أمر الله تعالى عباده المؤمنين بالتنزه عن المكاسب الخبيثة، فقال سبحانه: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَاشْكُرُوا لِلَّهِ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ} [البقرة: 172].

 وقد شدد الإسلام في أمر الربا تشديدًا عظيمًا، وجعله من أشنع الذنوب وأعظم الكبائر، ولم يقتصر التحريم على آكل الربا المستفيد وموكله المقترض فحسب، بل شمل كل من أعان على تدبيره وتثبيته وتدوينه؛ لما رواه الإمام مسلم في صحيحه عن جابر رضي الله عنه قال: «لَعَنَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ آكِلَ الرِّبَا، وَمُؤْكِلَهُ، وَكَاتِبَهُ، وَشَاهِدَيْهِ، وَقَالَ: هُمْ سَوَاءٌ».

 اختصارًا: 

هناك خلاف بين العلماء المعاصرين على قولين:

الأول: أن العمل في البنوك التجارية وخاصة في الأعمال المعاونة للمضطر الذي لا عمل آخر له، جائز من باب الضرورة، وعلى رأسهم الشيخ القرضاوي رحمه الله.

الثاني: أن العمل في وظيفة محاسب أو مراجع حسابات في بنك تجاري يعتمد في أرباحه على القروض الربوية حرام شرعًا، والراتب المكتسب من هذا العمل مال خبيث.

 والعلة في ذلك أن عملية تقييد الحسابات ومراجعة الدفاتر - وإن لم تتضمن توقيع العقود أو تسليم النقدية مباشرة - هي صلب عملية "كتابة الربا" وتثبيته وضبطه، ولا يستقيم عمل البنك الربوي إلا بها. وبناءً عليه، يقع المحاسب في هذه الوظيفة تحت اللعن الوارد في الحديث النبوي لـ «كـاتب الربا»، ويكون معينًا إعانة مباشرة على الإثم والعدوان.

 وتفصيلاً:

يقول الشيخ القرضاوي رحمه الله: أعمال البنوك ليست كلها ربوية فأكثرها حلال طيب لا حرمة فيه، مثل السمسرة والإيداع وغيرها، وأقل أعمالها هو الحرام، فلا بأس أن يقبله المسلم - وإن لم يرض عنه - حتى يتغير هذا الوضع المالي إلى وضع يرضي دينه وضميره، على أن يكون في أثناء ذلك متقنًا عمله مؤديًا واجبًا نحو نفسه وربه، وأمته منتظرًا المثوبة على حسن نيته  "وإنما لكل امرئ ما نوى".

وقبل أن نختم فتوانا هذه لا ننسى ضرورة العيش، أو الحاجة التي تنزل - عند الفقهاء - منزلة الضرورة، تلك التي تفرض على صاحب السؤال قبول هذا العمل كوسيلة للتعيش والارتزاق والله تعالى يقول: {فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلاَ عَادٍ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ} (البقرة:173).

وفي قرار مجمع فقهاء الشريعة: وقد رخصت المجامع الفقهية لمن لم يجد عملاً مباحًا، أن يعمل في الأماكن التي يختلط فيها الحلال والحرام، بشرط ألا يباشر بنفسه فعل المحرم، وأن يبذل جهده في البحث عن عمل آخر خال من الشبهات.

 والمجمع لا يرى ما يمنع من تطبيق هذا الحكم على العمل في المصارف الربوية، فيرخص في العمل في المجالات التي لا تتعلق بمباشرة الربا كتابة أو إشهادًا أو إعانة مباشرة أو مقصودة على شيء من ذلك.

وأورد الإمام النووي رحمه الله (في «شرح صحيح مسلم» - باب لعن آكل الربا وموكله): «فِيهِ تَصْرِيحٌ بِتَحْرِيمِ كِتَابَةِ الْمُبَايَعَةِ بَيْنَ الرَّبَوِيَّيْنِ وَالشَّهَادَةِ عَلَيْهِمَا، وَفِيهِ تَحْرِيمُ الإِعَانَةِ عَلَى الْبَاطِلِ».

 فتاوى اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء بالسعودية في حكم العمل في البنوك الربوية:

 وجاء في «فتاوى اللجنة الدائمة» المجموعة الأولى - 15/ 41: «لا يجوز للمسلم أن يعمل في البنوك الربوية، ولو كان عمله غير كاتب للربا كالمراجع والمحاسب والحارس؛ لأن العمل في هذه البنوك إعانة لها على القيام بأعمالها الربوية، والله تعالى يقول: {وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ}، والمحاسب يراجع كتابات الربا ويقيدها في الدفاتر فهو داخل في الكُتّاب».

 وجاء في «مجموع فتاوى ابن باز» 19/ 186: «العمل في البنوك الربوية لا يجوز، سواء كان حاسبًا أو كاتبًا أو مديرًا أو غير ذلك؛ لأن عملهم فيه تعاون على الإثم والعدوان، وتقييد الحسابات مراجعةٌ وتثبيتٌ لمعاملات الربا، والرسول ﷺ لعن كاتب الربا، فالمحاسب داخل في الكُتّاب بلا ريب، والراتب المأخوذ على ذلك سحت ولا يحل أهله».

 ويتفق التوجيه الفقهي الصادر عن المجامع الفقهية المعاصرة بالمعنى على أن العمل في المؤسسات والبنوك التقليدية التي تتعامل بالربا غير جائز شرعًا في الوظائف التي تتصل بتقييد المعاملات، أو مراجعتها، أو إدارتها؛ لدخول صاحبها في نطاق الإعانة على المعصية وكتابة الربا.

 القواعد الفقهية الحاكمة في حكم العمل في البنوك التجارية:

 قاعدة: «الإعانة على المعصية معصية»

 تقييد المعاملات الربوية وتدقيقها في الدفاتر هو إعانة مادية ومباشرة للبنك على الاستمرار في أنشطته المحرمة، وما أدى إلى الحرام والإعانة عليه فهو حرام.

 قاعدة: «الوسائل لها أحكام المقاصد»

 المحاسبة وسيلة لتثبيت القروض الربوية وحفظ حقوق البنك الربوي، فلما كان المقصد الربا محاطًا بالحرمة، أخذت الوسيلة الموصلة إليه والمثبتة له حكم التحريم.

 قاعدة: «ما حَرُمَ أخذُه حَرُمَ التكسب به والعمل فيه»

 لما كانت فوائد القروض الربوية أموالاً محرمة في الشريعة، فإن أخذ الأجرة أو الراتب في مقابل مراجعة وحساب هذه الأموال يكتسب حظه من الحرمة والخبث.

 قاعدة: «التابع تابع»

 المحاسبة وإن لم تكن هي إنشاء عقد القرض الربوي، إلا أنها تابعة له ومكملة للنظام المالي للبنك، والتابع يأخذ حكم المتبوع في الحظر والمنع. والله تعالى أعلى وأعلم.

 روابط ذات صلة:

تعامل البنوك بالربا وحكم العمل فيها