<p dir="RTL" style="text-align:justify;direction:rtl;unicode-bidi:embed"><span lang="AR-SA" style="font-size:18.0pt;font-family:"Simplified Arabic",serif">أنا مهندس برمجيات أعمل في شركة عالمية متخصصة في تطوير نماذج الذكاء الاصطناعي التوليدي والأنظمة الذاتية التفكير</span><span dir="LTR"></span><span dir="LTR"></span><span dir="LTR" style="font-size:18.0pt;font-family:"Simplified Arabic",serif"><span dir="LTR"></span><span dir="LTR"></span>.<o:p></o:p></span></p> <p dir="RTL" style="text-align:justify;direction:rtl;unicode-bidi:embed"><span lang="AR-SA" style="font-size:18.0pt;font-family:"Simplified Arabic",serif">طبيعة عملي تتطلب مني الاطلاع اليومي والمباشر على خوارزميات معقدة وقدرات فائقة تتطور بسرعة مذهلة تتجاوز التوقعات البشرية؛ حيث أرى كيف أصبحت هذه التطبيقات تتخذ قراراتها، وتحلل المشاعر، وتتنبأ بالسلوكيات، وتستغني عن العنصر البشري في مجالات حيوية كاملة</span><span dir="LTR"></span><span dir="LTR"></span><span dir="LTR" style="font-size:18.0pt;font-family:"Simplified Arabic",serif"><span dir="LTR"></span><span dir="LTR"></span>.<o:p></o:p></span></p> <p dir="RTL" style="text-align:justify;direction:rtl;unicode-bidi:embed"><span lang="AR-SA" style="font-size:18.0pt;font-family:"Simplified Arabic",serif">مع مرور الوقت، ومع التعمق في هذه التقنيات، بدأت تتسلل إلى عقلي حالة شديدة من القلق المفرط والوسواس القهري، تؤرقني وتفسد عليَّ حياتي، إذ يتملكني رعب يومي من أن نصل إلى مرحلة تُسلب فيها الإرادة البشرية تمامًا، وتصبح الآلات هي الموجه والمتحكم في مصائرنا، أو أن تتسبب في كارثة عالمية تؤدي إلى فناء البشر، مما يمنعني من الاستمتاع بحاضري مع أطفالي، ويجعلني أنظر إلى مستقبلهم بخوف شديد. مع ما يصاحب هذا من نوبات هلع وقلق، وأجد نفسي متشتتًا في بيتي، دائم التفكير في سيناريوهات سوداوية ومظلمة عن نهاية العالم والتحكم الآلي</span><span dir="LTR"></span><span dir="LTR"></span><span dir="LTR" style="font-size:18.0pt;font-family:"Simplified Arabic",serif"><span dir="LTR"></span><span dir="LTR"></span>.</span><span lang="AR-SA" style="font-size: 18.0pt;font-family:"Simplified Arabic",serif"><o:p></o:p></span></p> <span lang="AR-SA" dir="RTL" style="font-size:18.0pt;font-family:"Simplified Arabic",serif; mso-fareast-font-family:"Times New Roman";mso-ansi-language:EN-US;mso-fareast-language: EN-US;mso-bidi-language:AR-SA">أعلم أنه لن ينجيني من هذه الوساوس والمخاوف إلا الإيمان بالله، وأنا مؤمن والحمد لله، ومحافظ على صلاتي، لكني لا أعرف كيف أتعامل إيمانيًّا مع هذه الوساوس والمخاوف، وهل من الممكن أن يكون لي دور من خلال عملي في منع هذا المصير المتخيل؟</span>
مرحبًا بك أخي
الكريم، وأشكرك على ثقتك بنا وتواصلك معنا، وأسأل الله أن يشرح صدرك، وينزل
السكينة والطمأنينة على قلبك وعقلك، وأن يحفظك وأهلك وأطفالك من كل سوء ومكروه،
وأن يجعل عملك وخبرتك في التقنية سببًا لنفع الإسلام والمسلمين، وبعد...
فأُقدِّر تمامًا
حجم الثقل النفسي والفكري الذي تمر به، فعملك يجعلك تعاين عن قرب تحولات تقنية لا
يدرك عمقها البعيد عنها. هذا الاطلاع المباشر على التسارع التقني المهول قد يسبب
صدمات إن لم تُضبط بوعي إيماني ونفسي، تحولت إلى وسواس قهري وقلق يفسد الحياة.
إعادة ضبط
البوصلة وترسيخ الإيمان
إن العلاج
الإيماني لوساوس المستقبل يبدأ من فهم طبيعة هذا الكون، ومن هو المتصرف فيه حقًّا.
فمهما بلغت الخوارزميات من التعقيد، ومهما تطورت نماذج الذكاء الاصطناعي، فإنها لا
تخرج قيد أنملة عن قدر الله ومشيئته. فالآلة مهما بلغت من القدرة تبقى جمادًا ينفذ
معادلات إحصائية ورياضية معقدة، ولا تمتلك قدرة على الخروج عن أسباب الله في
الكون. قال الله تعالى: ﴿اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ
وَكِيلٌ﴾ [الزمر: 62]. وقال -سبحانه- مؤكدًا أن كل ما يصنعه البشر هو تحت خلقه
وتدبيره: ﴿وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ﴾ [الصافات: 96].
إذن يا أخي،
المصائر بيد الله وحده، وأزمات العالم ونهاياته مرسومة بتقدير إلهي حكيم، لا بقرار
من تطبيقات وبرامج.
حدود القدرتين
البشرية والآلية
مهما أظهرت
النماذج قدرة على تحليل المشاعر، أو التنبؤ بالسلوك، فإن هذا يظل محض معالجة
لبيانات ضخمة وترجيحات إحصائية. فالذكاء الاصطناعي لا يشعر، ولا يعي، ولا يملك سر
الروح الذي اختص الله به نفسه. قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ ضُرِبَ مَثَلٌ
فَاسْتَمِعُوا لَهُ إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ لَن يَخْلُقُوا
ذُبَابًا وَلَوِ اجْتَمَعُوا لَهُ﴾ [الحج: 73].
فإذا كان البشر
بذكائهم وآلاتهم عاجزين عن خلق ذبابة أو نفخ الروح فيها، فكيف نخشى أن تدير هذه
الآلات الكون، أو تسلب الإنسان إرادته الكلية التي كرَّمه الله بها؟
قهر الوسواس
بالتوكل والرضا:
الوسواس القهري
ينشط في مساحة المستقبل المجهول، والمؤمن يعلم أن المستقبل بيد رب عليم رحيم مهيمن
قادر. فلنقهر الوسواس القهري بالتوكل عليه سبحانه حق التوكل، والرضا بقضائه. يقول
النبي ﷺ: «اعْلَمْ أَنَّ
الأُمَّةَ لَوْ اجْتَمَعَتْ عَلَى أَنْ يَنْفَعُوكَ بِشَيْءٍ لَمْ يَنْفَعُوكَ
إِلاَّ بِشَيْءٍ قَدْ كَتَبَهُ اللَّهُ لَكَ، وَلَوْ اجْتَمَعُوا عَلَى أَنْ
يَضُرُّوكَ بِشَيْءٍ لَمْ يَضُرُّوكَ إِلاَّ بِشَيْءٍ قَدْ كَتَبَهُ اللَّهُ
عَلَيْكَ» [رواه الترمذي].
فمن صح توكله على
الله كفاه الله همه، وحجب عنه الوساوس، وملأ قلبه طمأنينة ورضا.
تبديد
السيناريوهات السوداوية:
إن الطريقة التي
تفكر بها الآن -أخي الكريم- يسميها علماء النفس «التفكير الكارثي» الذي يؤدي بك
إلى توقع سيناريوهات سوداوية للمستقبل؛ حيث يأخذ عقلك قدرات الذكاء الاصطناعي
الحالية، ويقوم بعملية إسقاط وهمي يصل به إلى نهاية العالم. والتاريخ البشري شهد
مخاوف مماثلة منذ اختراع المطبعة، ثم الثورة الصناعية، ثم الطاقة النووية، وكان
الناس يظنون أن كل تقنية جديدة ستؤدي إلى نهاية العالم؛ لكن البشرية -بفضل الله-
تتكيف وتضع أطرًا وضوابط للحماية.
انعم بأمن اللحظة
الحاضرة:
أخي الكريم، إن
وسواس المستقبل المتوهم الذي قد لا يحدث أبدًا يسرق منك أمن الحاضر المؤكد الذي
تعيشه مع أطفالك، وقد قال النبي ﷺ:
«مَنْ أَصْبَحَ مِنْكُمْ آمِنًا فِي سِرْبِهِ، مُعَافًى فِي جَسَدِهِ، عِنْدَهُ
قُوتُ يَوْمِهِ، فَكَأَنَّمَا حِيزَتْ لَهُ الدُّنْيَا» [رواه الترمذي].
فأطفالك بحاجة
إلى أبيهم الحاضر بجسده وعقله اليوم، لا الأب الغائب ذهنيًّا في سيناريوهات
المستقبل.
هل لك دور في منع
هذه التوقعات؟
نعم، وبشدة!
فوجود مهندس مؤمن مثلك في قلب هذه الشركات العالمية هو حائط صد حقيقي لهذه
التوقعات السلبية. فبدلًا من الاستسلام للرعب، حوِّل هذا القلق السلبي إلى قلق
إيجابي دافع؛ إذ يمكنك توجيه مسارك المهني أو تركيزك في العمل نحو مجالات دفع
المخاطر المتوقعة من هذه التقنيات والتطبيقات، وتأمين الأنظمة، والحفاظ على
الأخلاقيات.
يقول النبي ﷺ: «إِنَّ مِنْ
النَّاسِ مَفَاتِيحَ لِلْخَيْرِ مَغَالِيقَ لِلشَّرِّ» [رواه ابن ماجة]. فكن أنت
مفتاح خير ومغلاق شر داخل شركتك، من خلال العمل على ضوابط الأمان، وكشف الفجوات
والثغرات الأمنية، وضمان عدم خروج هذه التطبيقات عن السيطرة البشرية.
ماذا تفعل مع
أطفالك؟
إن دورك مع
أطفالك يا أخي ليس مجرد الخوف عليهم، بل إعدادهم لمستقبل مختلف. اغرس فيهم أولًا
الإيمان العميق بالله عز وجل، وعلِّمهم أسماءه وصفاته جل وعلا، وما افترضه عليهم
من عبادات وأخلاق. علِّمهم القيم الإنسانية، والتفكير النقدي، وكيفية التعامل مع
التكنولوجيا الحديثة بأمان، ليكونوا فاعلين لا مفعولا بهم، ومؤثرين لا واقعين تحت
تأثير بشر أو آلة، فكل ذلك يوفر لهم مناعة وحماية عند التعرض لهذه التقنيات
والتطبيقات والتعامل معها.
وسائل عملية
للتطبيق اليومي:
1- الذِّكر
والقرآن: حافظ على أذكار الصباح والمساء، وأذكار الأحوال،
وخصوصًا الآيات والأذكار التي تطرد الخوف والوسواس، ولا تفرِّط في ورد يومي من
القرآن، ففيه الشفاء والاطمئنان والسكينة.
2- الدعاء: تمسك
بحبل الله، ولا تغفل عن الدعاء في أوقات الإجابة؛ خصوصًا دعاء النبي ﷺ: «اللهُمَّ
إنِّي أعوذُ بكَ مِنَ الهَمِّ والحَزَنِ، والعَجزِ والكَسَلِ، والبُخلِ والجُبنِ،
وضَلَعِ الدَّينِ، وغَلَبةِ الرِّجالِ» [رواه البخاري].
3- الفصل التام
بين العمل والبيت: ضع حدًّا صارمًا عند مغادرة مقر العمل.
فبمجرد إغلاق حاسوبك، انزع عباءة «مهندس الذكاء الاصطناعي» وارتدِ عباءة الأب
والزوج. ولا تتابع أخبار التقنية ولا الأوراق البحثية بعد انتهاء ساعات العمل.
4- العلاج
المعرفي السلوكي: إذا كانت نوبات الهلع متكررة، فننصحك بشدة
بمراجعة طبيب نفسي يساعدك على التخلص منها، والعيش باطمئنان، وهذا لا ينافي
الإيمان؛ بل هو من الأخذ بالأسباب المشروعة. يقول النبي ﷺ: «تَدَاوَوْا،
فَإِنَّ اللَّهَ -عز وجل- لَمْ يَضَعْ دَاءً إِلاَّ وَضَعَ لَهُ دَوَاءً» [رواه
أبو داود].
5- ممارسة
الأنشطة الطبيعية: عندما تجد نفسك غارقًا في التفكير
التجريبي والتنبؤات التقنية، مارس وحدك أو مع أطفالك أنشطة مادية حية ملموسة،
كالرياضة البدنية، ولو حتى مجرد المشي في الطبيعة، أو بعض الألعاب والهوايات
المباحة، فهذه الأنشطة تعيد عقلك إلى الواقع وتخرجه من افتراضات الخوارزميات.
وختامًا أخي
الكريم، إن الذكاء الاصطناعي مهما تطور سيظل أداة سخَّرها الله للإنسان، ولن ينقلب
المسخَّر على المسخَّر له بصورة تخالف قدر الله تعالى. فاستعذ بالله من الشيطان
الرجيم، واعلم أن هذه المخاوف والوساوس هي من نزغات الشيطان ليحزنك ويسلبك لذة
الحياة والإيمان.
أسأل الله أن
يثبت قلبك، وأن يفيض عليك من طمأنينته وسكينته، وأن يبارك لك في عملك وذريتك، وأن
يجعلك علمك حجة لك لا عليك، وأن يحفظ أطفالك ويبسط لهم في الرزق والأمان والسلامة
في دينهم ودنياهم. وصلِّ اللهم وسلِّم وبارك على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه وسلم.
روابط ذات صلة:
هل يخرج الذكاء الاصطناعي عن سيطرة الإنسان؟