هل ترفضني برفضها قصة قبل النوم؟!

أنا أب لبنت عندها سبع سنين، وأنا متعود كل ليلة أقرأ لها قصة قبل النوم. من أسبوعين قالت لي: "أنا هقرأ لوحدي" في البداية فرحت، لكن بعدين حسيت إنها مش محتاجاني، خصوصًا إنها بقيت تقفل باب غرفتها وتقرأ. هل أسيبها ولا أحاول أرجع طقوسنا القديمة؟

الأب الكريم، أحيانًا أكثر اللحظات التي تؤلم الوالد ليست لحظات رفض الطفل له، وإنما اللحظات التي يبدأ فيها الطفل في الاستغناء عن بعض الأشياء التي كان يحتاجها منه.

 

لكن هنا تحديدًا أريد أن أغير زاوية النظر. ابنتك لم تقل: "أنا لا أريد أبي"، هي قالت: "أريد أن أقرأ وحدي"، وهناك فرق نفسي وتربوي كبير جدًّا بين الجملتين.

 

ما يحدث غالبًا هو ظهور حاجة طبيعية تسمى الاستقلالية (Autonomy)؛ وهي أحد الاحتياجات الأساسية في النمو النفسي. الطفل السليم لا يبقى طوال حياته معتمدًا على والديه بالطريقة نفسها، بل ينتقل تدريجيًّا من الاعتماد الكامل إلى المشاركة ثم الاستقلال.

 

المشكلة ليست في استقلالها، وإنما في تفسيرك له، إذا فسّر الأب استقلال ابنته على أنه "لم تعد تحتاجني"، فقد يبدأ دون أن يشعر في الضغط عليها حتى تعود إلى الاعتماد عليه.

 

قد يقول: "تعالي أنا أقرأ لك"، أو: "القصة بتاعتنا أحلى"، أو: "أنتِ بقيتي كبيرة ومش عايزة بابا؟".

 

وهنا قد يشعر الطفل بالذنب لأنه ينمو. وهذه نقطة خطيرة تربويًا؛ لأننا نريد أبناء مستقلين، لكننا أحيانًا نعاقبهم عاطفيًّا عندما يبدعون في الاستقلال.

 

وهنا ماذا تفعل؟

 

قل لها: "أنا مبسوط إنك بقيتي تعرفي تقرئي لوحدك. إيه رأيك تختاري لي قصة ونقرأها سوا يوم الجمعة؟".

 

أنت هنا لم تتخل عنها، ولم تفرض نفسك عليها.. أنت نقلت العلاقة من الرعاية المباشرة إلى المشاركة.

 

وهذا يسمى في التربية Scaffolding، أي تقديم الدعم المناسب للطفل ثم تخفيفه تدريجيًّا مع نمو قدرته.

 

لا تتوقف عن الطقس العاطفي، ربما تكون القصة هي الوسيلة التي كان يحدث من خلالها التواصل، وليس الهدف الوحيد.

 

لذلك يمكن أن تقول لها: "أنا عارف إنك بتحبي تقرئي لوحدك، لكن وقت الحكاية مع بابا ممكن يفضل موجود، حتى لو مش كل يوم".

 

يمكن أن تصبح ليلة واحدة في الأسبوع "ليلة القراءة مع بابا"، وهكذا تحافظ على الرابطة العاطفية دون أن تعيق الاستقلال.

 

وهناك مكسب تربوي مهم، طفلة في السابعة تختار كتابًا، وتقرأ بمفردها، وتغلق بابها لتنجز نشاطًا هادئًا، هذه ليست بالضرورة علامة ابتعاد.

 

قد تكون علامة على نمو:

 

التركيز.

 

المسؤولية.

 

الاستقلال.

 

الثقة بالقدرة.

 

حب التعلم.

 

قال تعالى: ﴿وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْمًا﴾.. من أجمل ما يمكن أن نقدمه للطفل أن نجعل التعلم مرتبطًا بالمتعة والاختيار، لا بالإجبار.

 

ولكن متى نقلق؟

 

إذا كان إغلاق الباب مصحوبًا بانسحاب اجتماعي شديد، ورفض مستمر للتواصل مع الأسرة، وتغير واضح في المزاج أو النوم أو الدراسة، فهنا لا نكتفي بتفسير السلوك باعتباره استقلالية.

لكن مجرد رغبتها في القراءة وحدها لا تكفي أبدًا لهذا الاستنتاج.

 

همسة أخيرة:

 

أحيانًا يختبر الأبناء استقلالهم في أكثر الأشياء التي كنا نظن أنها "ملكنا معهم".

 

فلا تحزن عندما يكبر طفلك أمام عينيك؛ فنجاح التربية أن يصل الطفل إلى مرحلة يقول فيها: أستطيع.. وهو يعرف في الوقت نفسه أن هناك أبًا يمكنه الرجوع إليه متى احتاج.

 

روابط ذات صلة:

ابنتي أغلقت بابها في وجهي!!