حكم بيع حقوق الملكية الفكرية

أعمل مصمم صور، وطلب مني صاحب مطعم تصميم شعار وقائمة طعام، واشترط عليّ أن أتنازل له عن "حقوق الملكية الفكرية والفنية" للتصميم بالكامل بحيث لا يحق لي عرضه في معرض أعمالي أو إعادة استخدامه، مقابل زيادة في الأجر؛ فهل يجوز شرعاً بيع الحقوق المعنوية للتصاميم والابتكارات بيعاً نهائياً؟

الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده، وبعد:

 

فأهلاً وسهلاً ومرحبًا بك أخي الكريم، وإن الابتكارات الفنية والتصاميم المبتكرة تُعدّ في الفقه الإسلامي المعاصر من الأموال المعنوية والحقوق المصونة شرعًا لأصحابها، وللمصمم الحق في التصرف فيها بالبيع والترخيص والتنازل وفق ما يتفق عليه مع عملائه، تأسيسًا على أحكام العقود والشروط المباحة في الإجارة أو بيع المنافع.

 

اختصارا: يجوز شرعًا الاتفاق مع صاحب المطعم على التنازل الكامل عن الحقوق المالية والتجارية وحقوق الاستغلال والتصرف للتصميم، والالتزام بشرط عدم عرضه في معرض أعمالك وعدم إعادة استخدامه مقابل زيادة في الأجر.

 

وفي هذه الحالة هناك نوعان من الحقوق:

 

الحقوق المالية والتجارية وهي حقوق الاستغلال: يجوز بيعها والتنازل عنها كليًّا مقابل مال، ويكون العقد هنا من باب الإجارة على عمل خاص لحساب الغير.

 

الحق الأدبي أو المعنوي الصرف نسبة العمل لمبدعه: يظل الحق التاريخي في كونك "المصمم الفعلي" ثابتًا لك طبعًا ولا يجوز تزويره بادعاء غيرك أنه المبتكر له، لكن يجوز لك شرعًا الالتزام السلوكي والتعاقدي بعدم نشر التصميم أو عرضه أو إعادة استخدامه بناءً على الشرط المالي والمتفق عليه بالتراضي.

 

وتفصيلاً:

 

يعتبر جمهور الفقهاء من المالكية والشافعية والحنابلة أن المنافع والحقوق المعنوية تعدّ مالاً متقوّمًا يجوز التعاقد عليه والمعاوضة عنه.

 

قال الإمام الشاطبي المالكي في الموافقات 2/17: «المال هو ما يقع عليه الملك، ويستبد به المالك عن غيره إذا أخذه من وجهه... والمنافع والحقوق تابعة للأعيان أو قائمة بنفسها مما يتنافس فيه الناس».

 

وقال الإمام ابن قدامة الحنبلي في المغني 6/133 في إجازة المعاوضة على المنافع والحقوق: «يجوز الاستئجار لعمل معلوم... لأن المنفعة مال يجوز أخذ العوض عنه».

 

قرارات المجامع الفقهية المعاصرة في حقوق الملكية الفكرية:

 

جاء في قرار مجمع الفقه الإسلامي الدولي التابع لمنظمة التعاون الإسلامي رقم 43 5/5 بشأن حقوق الملكية الفكرية:

 

أولًا: الاسم التجاري، والعنوان التجاري، والعلامة التجارية، والتأليف والاختراع أو الابتكار، هي حقوق خاصة لأصحابها، أصبح لها في العرف المعاصر قيمة مالية معتبرة لتمول الناس لها. وهذه الحقوق يعتد بها شرعًا، فلا يجوز الاعتداء عليها.

 

ثانيًا: يجوز التصرف في الاسم التجاري أو العنوان التجاري أو العلامة التجارية، ونقل أي منها بعوض مالي، إذا انتفى الغرر والتدليس والغش، باعتبار أن ذلك أصبح حقًّا ماليًّا.

 

ثالثًا: حقوق التأليف والاختراع أو الابتكار مصونة شرعًا، ولأصحابها حق التصرف فيها، ولا يجوز الاعتداء عليها.

 

وقال الشيخ ابن تيمية في مجموع الفتاوى 29/339: «الأصل في العقود والشروط الإباحة والحل، ولا يحرم منها إلا ما حرمه الشارع».

 

القواعد الفقهية الحاكمة في حقوق الملكية الفكرية:

 

قاعدة: المسلمون على شروطهم إلا شرطًا حرّم حلالاً أو أحل حرامًا:

 

تقتضي هذه القاعدة أن الشروط المالية والتنظيمية المقترنة بالعقود كشرط عدم العرض وعدم إعادة الاستخدام مقابل زيادة الأجر شروط صحيحة وملزمة للطرفين شرعًا.

 

قاعدة: الحقوق المعنوية والمالية مصونة ومتمولة شرعًا:

 

حقوق الإنتاج الفكري والفني تُعدّ أموالاً معنوية يصح بيعها والمعاوضة عليها والتنازل عن منافعها واستغلالها التجاري للغير.

 

قاعدة: الأصل في المعاملات والشروط الإباحة:

 

ما لم يشتمل الاتفاق على غش أو تدليس أو ربا، فإن الأصل صحة أي صيغة تعاقدية يتم التراضي عليها بين البائع والمشتري. والله تعالى أعلى وأعلم.

 

روابط ذات صلة:

الحقوق الفكرية.. التفريق بين الخبرة والمعلومة