ما هو الفتور.. وهل يعني الملل، وهل العقل مسؤول عن حالة الفتور التي تعتري الإنسان في بعض الأحيان وهل هو حالة طبيعية يمكن أن تزول؟
أخي
الكريم، الغالبية من البشر تعتريها الفتور بعد المجهود الكبير والحماس الطاغي،
فتراهم يقارنون حالهم لحظة الحماس والنشاط، وحالهم لحظة الفتور وخمود الدافعية،
فتكثر تساؤلاتهم عن الأسباب الكامنة وراء ذلك، وكيفية استعادة تلك الحماسة من
جديد، وعن الفارق بين الفتور والملل.
ماهية
الفتور؟
أخي
الكريم، الفتور هو حالة إنسانية تعتري معظم الناس، ولا يأتي الفتور إلا بعد نشاط
وحماسة، وهو بذلك يختلف عن الملل، فالملل يعبر عن غياب الرغبة في الحركة والنشاط
وغياب الدافعية ابتداء؛ بسبب عدم الرضا عن تكرار الفعل وروتينية الحياة وقلة
التحفيز أو حجم الفراغ الكبير دون وجود غاية أو عمل هادف، ومن ثم فالملل أقرب
توصيف له أنه قلة الهمة والتحفيز والدافعية.
أما
الفتور فهو سكون أو هدوء بعد حركة، وضعف بعد قوة، وانخفاض تدريجي في مستوى الهمة
والنشاط، أما سببه فقد يكون ناجمًا عن الإرهاق والانشغال الكبير المتواصل لفترة
طويلة، وفي بعض الأحيان الكبير يكون هذا المجهود مفاجئًا أو استمر لفترة زمنية
معينة وتحت ضغط، وهو ما يؤثر على التوازن في حياة الإنسان، إذ بعد انتهاء المهمة ينخفض
الحماس والجهد إلى مستوياته الدنيا بسبب المجهود والضغط السابق.
والفتور
له تأثيرات سلبية على المستوى الاجتماعي، فهو يقلل من استجابة الفرد والمجتمع
للأزمات؛ لأنه يخلق حالة انعزال في كثير من الأحيان، وتراجعًا كبيرًا في الرغبة في
العمل والمساندة، وهو ما يعني أننا أمام حالة سلبية.
أما
اسباب الفتور فهي متنوعة، منها:
* الإجهاد ونقص الطاقة: يصبح الفتور أمرًا طبيعيَّا بعد مجهود وضغط
سابق، فالتحفيز والدافعية تم استهلاكهما في ذلك المجهود السابق، وبذلك يحتاج الشخص
إلى شحن طاقته من جديد بتحفيز ومكافأة جديدة، وإذا غاب التحفيز تحول الفتور إلى
حالة من الملل واللامبالاة.
* الإرهاق: يؤدي الإرهاق المستمر إلى الفتور، ويختلف الإرهاق عن
الإجهاد، فالإرهاق هو حالة شبه مزمنة من استنزاف الطاقة البدنية والعقلية والنفسية
يتعرض لها الشخص لفترة طويلة ومستمرة دون راحة كافية، وهذا الإرهاق لا يزول بمجرد
الراحة البسيطة ولكن يحتاج إلى تغيير نمط الحياة.
أما
الإجهاد فهو استجابة مؤقتة لموقف صعب أو تحدٍ طارئ، يتسبب في جهد زائد، ومن ثم
فالإجهاد يزول مع الراحة وانتهاء سبب الإجهاد.
* الإخفاق في رؤية التقدم: عدم قدرة الشخص على رؤية التقدم في
تحقيق أهدافه، أو رؤية مجهوداته وهي تتجسد في إنجاز أمام عينيه يتسبب في الفتور،
حيث يعتقد الشخص أن مجهوده بلا ثمرة أو أنه يحرث في البحر؛ لذا تخور عزيمته وتضعف.
* تحميل الإنسان نفسه ما لا يطيق: بعض الأحيان عندما يحمل الإنسان
نفسه من الأشياء ما لا يستطيع وما لا يقدر على المداومة عليه، دون مراعاة لظروفه
القادمة أو تغيرات الواقع، فإن الفتور يكون من نصيب هذا الشخص، لذلك كانت القاعدة
الإسلامية في العبادات المداومة مع القليل، ففي الحديث الذي رواه البخاري، قال ﷺ: "أَحَبُّ
الأعمالِ إلى اللهِ أدْومُها و إن قَلَّ"، وكذلك الحديث الذي رواه ابن حبان
في صحيحه، قال ﷺ: "خُذوا
مِن العمَلِ ما تُطيقونَ فإنَّ اللهَ لا يمَلُّ حتَّى تمَلُّوا".
* غياب المساندة من مجتمع الأهل أو الأصدقاء: كثير من الأشخاص يبدأ
العمل بحماس وهمة عالية، لكن غياب المساندة من المجتمعات المحيطة به وغياب التشجيع
والمؤازرة والدعم حتى بالكلمة الطيبة والنصيحة، يؤدي إلى الإحباط والفتور.
وختامًا
أخي الكريم، يجب ألا تشعر بالقلق من هذا الفتور، وأن تعتبره حالة طبيعية ويمكن
التعافي منها، ولكن بشرط أن تتخلص من أسبابها؛ لأن استمرار الفتور يتسبب في ضعف
العزيمة والإرادة.
موضوعات
ذات صلة:
هل يدفع الملل لارتكاب الجرائم؟
هــل تحتاج عقولنا إلى الأهــــداف؟