<div>هل هناك علاقة بين العفة وبين القوة النفسية والعقلية للإنسان وهل العفة تعني أن يكون العقل هو المتحكم في الغريزة؟</div>
أخي الكريم، لا شك أن تحلي الإنسان بالعفة ظاهرًا وباطنًا
يكشف عن قدرته في السيطرة على غرائزه ورغباته، وأن يصبح العقل والإرادة لهما
الكلمة العليا على تلك الرغبات والشهوات.
وقد اهتمت الفلسفة الأخلاقية بالعفة، واعتبرتها مسلكًا
أخلاقيًّا يحمي المجتمع من توحش الشهوات، ومن ثم صارت العفة عنوانًا بارزًا لنجاح
الإنسان في مقاومة المغريات، يقول مصطفى صادق الرافعي في كتابه "وحي
القلم": "وايـم الله إن الخالي من مجاهدة الرذائل جميعًا، لهو الخالي من
الفضائل جميعًا".
العفة والنفس الإنسانية
أخي الكريم، العفة في اللغة هي الكف والامتناع، وفي
الاصطلاح الشرعي هي كفّ النفس وامتناعها عن كل ما لا يحل ولا يجمل من الأقوال
والأفعال، وضبط الشهوات بضوابط الشرع والمروءة، وتنقسم إلى قسمين: عفّة عن المحارم
وعفّة عن المآثم. والعفة فضيلة تتوسط بين الشره والخمول، وتضم الحياء والصبر
والورع وغيرها من الأخلاق النبيلة.
والعفة بجانب كونها فضيلة أخلاقية، هي أشبه ما تكون
بنظام للتحكم يضبط رغبات الإنسان وشهواته خاصة الجنس والطعام والمال، هذا النظام
يكبح اندفاع الإنسان نحو الخطأ والخطيئة والإسراف والطمع؛ إذ تجمع العفة داخلها
قوة النفس والعقل على هدف كبير، وهو عدم إفلات الشهوات والرغائب، وإبقاؤها تحت
السيطرة والتحكم وفق رؤية أخلاقية واضحة ومنضبطة.
والعفة الحقيقية ليست العفة المتولدة عن العجز، ولكنها
المتحققة مع قدرة الإنسان على الانفلات؛ فالعفة مع قدرة الإنسان على ارتكاب الخطأ
دليل على قدرة العقل والضمير على ضبط الغرائز والتحكم في الشهوات والرغائب، ومن ثم
فالعفة ليست القضاء على الشهوات والرغبات، وإنما الاعتلاء بها، وتهذيبها، وفرض
رقابة العقل عليها؛ ولذلك يُقال تعفف الإنسان عن الشيء، أي لم يضعف أمامه.
كان الشيخ محمد الغزالي يؤكد أن العفة ليست خلقًا يتحلى
به الإنسان فجأة، ولكنه نوع من الجهد والمران الطويل لتعويد النفس على العفة،
فيقول: "إن تغليب العفة على الشره يحتاج إلى جهاد طويل".
والعفة ليس حالة من الخمول أو الامتناع فقط عن فعل
الرذائل والدنايا، ولكنها امتناع مقترن ببصيرة وعقل ورؤية للعواقب، ورغبة عميقة في
تحقيق الكمال الإنساني في الاستعلاء على الشهوة والغريزة، وألا تكون تلك الشهوة هي
الممسكة بدفة الإنسان تحركه وفق ما تشاء وتشتهي؛ فالعفة هي إخضاع الشهوة للعقل،
حتى لا يصبح المرء أسيرًا لها، لذلك كان ينظر بعض الفلاسفة على أنها مرادف لقوة
العقل.
وقد رأى الإمام أبو حامد الغزالي أن العفة هي تهذيب قوة
الشهوة وضبطها تحت سلطة العقل والشرع، بحيث لا تنقاد النفس للهوى الأعمى، ولا
تُحرم في الوقت نفسه من طيبات الحياة بالكلية، وهي من الفضائل الرئيسية الأربعة
التي يجب التحلي بها وهي: الحكمة، الشجاعة، العفة، والعدل.
عواقب غياب العفة
أخي الكريم، عواقب الفجور وغياب العفة مؤلمة للغاية،
ويجب ألا يستهين الفرد أو المجتمع بتنحية العفة من السلوك الأخلاقي الحياتي
الإنساني، يقول الأديب الشهير "شكسبير" عن عواقب الاستسلام للشهوات
والرغائب: "إن إهدار الروح في ذلٍّ وعارٍ هو شهوةٌ في فعل؛ وطالما بقيت
الشهوة كاذبة، قاتلة، دموية، مليئة باللوم".
وغياب العفة في حركة الحياة يجعل الحياة أشبه بقيادة
طائرة بلا طيار، أو سيارة بلا مقود، وهو ما يوجب ألا نقلل من شأن وأهمية العقل في
الحياة الأخلاقية؛ لأن الرذائل قادرة على إضعاف العقل؛ فالرذائل تشبه أشخاصًا همجيين
يسعون للاستيلاء على الحكم والقيادة.
لذلك كان المصلح الديني الإيطالي "توما
الاكويني" (المتوفى: 1274م) يحذر من سيطرة الشهوة على العقل، فيقول: "عندما
تندفع القوى الدنيا بشدة نحو غاياتها، فإن النتيجة هي إعاقة القوى العليا
واضطرابها في أفعالها"؛ لذا رأى "الإكويني" أن غياب العفة يؤدي إلى
نتائج كارثية على العقل والإرادة والسلوك، منها: عمى العقل، والتهور، وقلة
التفكير، والتشتت، وحب الذات المفرط، وكراهية الدين، والتعلق المفرط بالدنيا،
اليأس من الآخرة.
موضوعات ذات صلة:
فضائح إبستين هل لها علاقة بالفلسفة العدمية؟
كيف نحمي أنفسنا من شبح الانحلال؟