تعطيل منافع الوقف أولى أم التعديل على شرط صاحبه؟

إذا تعطلت مدرسة موقوفة نتيجة الاعتداءات، فهل يجوز نقل الوقف أو بيع أنقاضه لشراء مكان آخر آمن؟ وما الحكم إذا صُرف ريع الوقف لترميم بناء آخر غير محدد في شرط الواقف؟

الحمد لله وحده والصلاة والسلام على من لا نبي بعده، وبعد

فأهلا وسهلا ومرحبا بك أخي الكريم، تُعدّ الأوقاف من أهم الركائز التي تُحفظ بها منافع الأمة ومقاصد الشرع في استدامة الخير، والأصل في العين الموقوفة عدم الجواز في التصرف فيها بالبيع أو النقل إلا لتحقيق المصلحة المرجوة التي قصدها الواقف، أو عند تعذر الانتفاع بها مطلقاً. وعند تعرض الأوقاف للخراب أو التعطيل بسبب الاعتداءات أو الحروب، اجتهد الفقهاء في بيان الأحكام الكفيلة بتحقيق مقصود الواقف ومراعاة المحافظة على مال الوقف.

اختصارا: يجوز بيع أنقاض المدرسة الموقوفة أو نقلها إذا عُدمت منفعتها بالكلية وصارت غير صالحة للاستعمال بسبب الاعتداءات، ويُشترى بالثمن عينٌ أخرى أو تُنقل إلى مكان آمن بما يُحقق أغراض الواقف، وهو مذهب الحنابلة وقول عند الحنفية والشافعية، مراعاة لمقصود الواقف واستمرار المنفعة.

ولا يجوز صرف ريع الوقف لترميم بناء آخر غير محدد في شرط الواقف فالأصلُ صرف ريع الوقف فيما شرطه الواقف، لأن "شرط الواقف كنص الشارع"، إلا إذا عُدم الموقوف عليه الأول أو استغنى بالكلية، أو تعذر الترميم في المكان الأول وصار البناء الآخر بديلا يُؤدي نفس وظيفة الوقف، وذلك كله بشرط الحصول على إذن القاضي، فليس لناظر الوقف أن يغير فيه بمحض رأيه.

وتفصيلا:

أولاً: الشروط العامة لجواز التعديل على شرط الواقف

اتفقت الدراسات على أن التعديل لا يتم إلا بتوفر مسوغات شرعية معتبرة، أهمها:

·       أن يكون التعديل محققاً لمصلحة حقيقية تعود على الوقف نفسه أو المستحقين، ولا تُتاح لمجرد التشهي أو التسهيل.

·       وجود الضرورة أو الحاجة الملحة مثل تعطل أعيان الوقف، أو زوال الغرض الموقوف عليه كوقف أرض لإنشاء ساقية ماء في مكان توفرت فيه شبكات المياه الحديثة.

·       أن يكون الشرط الجديد متوافقاً مع أحكام الشريعة الإسلامية ومقاصدها العامة.

·       أن يكون التعديل من جهة معتبرة فلا يملك الناظر أو المؤسسة الوقفية التغيير من تلقاء أنفسهم، بل يجب أن يتم ذلك عبر القضاء الشرعي أو الجهة الحكومية الناظرة على الأوقاف لضمان الضبط.

ثانياً: تقسيم التعديل من حيث الحكم الفقهي

حالات التعديل والتغيير في شروط الواقف ثلاثة أقسام:

التعديل من أدنى إلى أعلى: ويقصد به الانتقال بالوقف إلى منفعة أو مصلحة أعظم وأشمل نفعاً، وهو جائز شرعا حسب مذهب الحنفية والمالكية واختيار ابن تيمية، ومثاله تحويل صرف الوقف من مجرد "العبّاد" إلى "العلماء والباحثين" لأن نفع العلم متعدٍّ ومصلحته أكبر.

التعديل من مساوٍ إلى مساوٍ: ويقصد به نقل المنفعة إلى غرض أو مكان مماثل تماماً دون وجود مصلحة راجحة، وهو محرم اتفاقا لأنه مخالفة لشرط الواقف بلا منفعة ولا مصلحة، ومثاله تحويل صرف ريع الوقف من فقراء بلدة معينة إلى فقراء بلدة أخرى مماثلة لها دون وجود أي ضرورة.

التعديل من أعلى إلى أدنى: ويقصد به النزول بالمنفعة الشريفة إلى منفعة أقل منها أو تضييق دائرتها. وهو أشد حرمة من سابقه، فهو نقض لمراد الواقف، ومثاله تحويل الوقف المشروط لفقراء الأقارب والذي يجمع بين صلة الرحم والصدقة وصرفه للفقراء الأجانب دون أي مسوغ شرعي.

مذهب الحنابلة جواز البيع والاستبدال عند التعطل:

يرى الحنابلة أنه إذا تعطلت منافع الوقف بالكلية ولم يمكن ترميمه، جاز بيعه وصرف ثمنه في مثل جنسه."إن الوقف إذا خرب، وعادت منافعه إلى الزوال، ولم يمكن عمارتُه ولا الانتفاع به، بيع وصُرف ثمنه في مثله... لأن الوقف تحبيس الأصل وتسبيل الثمرة، فإذا تعطل الأصل والفرع جميعاً، فبقاؤه بلا فائدة محضة، فكان بيعه وصرف ثمنه في مثله أولى، لإعادة الوقف إلى أصله" ابن قدامة في المغني:

مذهب الأحناف استبدال الوقف عند انقطاع المنفعة:

أجاز الأحناف بيع العين الموقوفة وشراء غيرها إذا تعطلت منفعتها أو صارت لا تفي بآليتها، وذلك بإذن القاضي. قال العلامة ابن عابدين في رد المحتار على الدر المختار 4/ 384:

"الاستبدال يجوز إذا صار الوقف لا ينتفع به أصلًا، أو كان لا يفي بمؤونته، وكان غيره أنفع منه، بإذن القاضي ليشتري بثمنه عينًا أخرى تكون وقفًا بدله".

اجتهاد المعاصرين وقرارات المجامع الفقهية:

أقرت المجامع الفقهية معالجة الأوقاف المتضررة بنقلها أو استبدالها لتحقيق المقاصد الشرعية، ورد في قرار مجمع الفقه الإسلامي الدولي: القرار 181:

أ الأصل في الأسهم الوقفية بقاؤها واستعمال عوائدها في أغراض الوقف وليس المتاجرة بها في السوق المالية فليس للناظر التصرف فيها إلا لمصلحة راجحة أو بشرط الواقف فهي تخضع للأحكام الشرعية المعروفة للاستبدال.

د إذا استُثمر المال النقدي الموقوف في شراء أسهمٍ أو صكوك أو غيرها فإن تلك الأسهم والصكوك لا تكون وقفًا بعينها مكان النقد، ما لم ينص الواقف على ذلك، ويجوز بيعها للاستثمار الأكثر فائدة لمصلحة الوقف، ويكون أصل المبلغ النقدي هو الموقوف المحبَّس.

القواعد الفقهية الحاكمة:

قاعدة: شَرْطُ الْوَاقِفِ كَنَصِّ الشَّارِعِ:

توجب هذه القاعدة الالتزام بشرط الواقف في مصارف الوقف وآليته، ولا يجوز تحويل الريع لبناء آخر إلا عند التعذر والتلف التام للبناء الأول.

قاعدة: الْمَشَقَّةُ تَجْلِبُ التَّيْسِيرَ:

تعطل المدرسة نتيجة الاعتداءات مشقة تبيح التيسير بنقل الوقف أو استبداله للحفاظ على منفعة التعليم.

قاعدة: يُخْتَارُ أَهْوَنُ الشَّرَّيْنِ وَأَخَفُّ الضَّرَرَيْنِ:

تفويت عين الوقف بالبيع والنقل للبديل الآمن أخف ضرراً من ترك مال الوقف للتلف وضياع منفعته بالكلية.

قاعدة: تَصَرُّفُ الإِمَامِ عَلَى الرَّعِيَّةِ مَنُوطٌ بِالْمَصْلَحَةِ:

نقل الوقف أو صرف ريع أنقاضه يتطلب إشراف القاضي الشرعي لضمان تحقُّق المصلحة العامة للموقوف عليهم.

والله تعالى أعلى وأعلم