<p class="MsoNormal" dir="RTL" style="text-align:justify;direction:rtl;unicode-bidi: embed"><span lang="AR-SA" style="font-size:16.0pt;font-family:"Simplified Arabic",serif">قرأت للبعض منشورات تطعن في صحة القرآن وتشكك في كونه كلام الله المنزل على نبيه، من جهة موضوع النسخ وتغيير الأحكام، وأنه يعبر أولا عن تناقض واضح، وثانيا عن سبب حدوثه من الله صاحب العلم الكلي والمحيط بالعواقب، كيف يقضي بحكم ما ثم يلغي هذا الحكم ويقضي بعكسه بعد ذلك؟! وأن وجود هذا النسخ والتبديل يدل على أنه نص بشري وليس منزلا من عند الله.</span><span dir="LTR" style="font-size:16.0pt;font-family: "Simplified Arabic",serif"><o:p></o:p></span></p><p class="MsoNormal" dir="RTL" style="text-align:justify;direction:rtl;unicode-bidi: embed"><span lang="AR-SA" style="font-size:16.0pt;font-family:"Simplified Arabic",serif">وبصراحة أربكني هذا الكلام، ولم أجد لدي ردًّا عليها ليستقر إيماني ويثبت ولا يهتز، بل زرعت فيَّ الشك.</span><span dir="LTR" style="font-size:16.0pt;font-family:"Simplified Arabic",serif"><o:p></o:p></span></p><p class="MsoNormal" dir="RTL" style="mso-margin-top-alt:auto;text-align:justify"> <span lang="AR-SA" dir="RTL" style="font-size:16.0pt;font-family:"Simplified Arabic",serif; mso-fareast-font-family:Calibri;mso-fareast-theme-font:minor-latin;mso-ansi-language: EN-US;mso-fareast-language:EN-US;mso-bidi-language:AR-SA">أخاف على إيماني بشدة، فساعدوني أرجوكم بحل هذه العقدة ليطمئن قلبي.</span></p>
مرحبًا
بك أختي الفاضلة، وأشكرك على ثقتك بنا وتواصلك معنا، وأحيي فيك هذه الحرقة الصادقة
والخوف المحمود على دينك وإيمانك. أسأل الله أن يربط على قلبك، وأن يثبِّتك بالقول
الثابت في الحياة الدنيا وفي الآخرة، وأن يملأ فؤادك بنور اليقين والسكينة، ويهديك
لما اختلف فيه من الحق بإذنه، إنه ولي ذلك والقادر عليه، وبعد...
فاعلمي
أن خوفك على إيمانك، ورغبتك في حمايته، لهو دليل على عمق هذا الإيمان لديك، فقد
جاء ناس من أصحاب النبي ﷺ فسألوه: إننا نجد في أنفسنا ما يعظم أحدنا أن يتكلم به،
فقال ﷺ: «وَقَدْ وَجَدْتُمُوهُ؟» قالوا: نعم، فقال: «ذَاك صَرِيحُ الْإِيمَانِ»
[رواه مسلم]. فلا تجعلي شيطان إنس أو جن يستغل هذه الشبهة ليوهمك بأن إيمانك ناقص،
بل هي محطة لإضافة وعي صحيح إلى هذا الإيمان، ليكون قائمًا على الفهم والعلم لا
على مجرد التلقين.
إن
شبهة النسخ في القرآن والتدرج التشريعي ليست جديدة، بل هي شبهة يثيرها المشككون
عبر الزمان، ممن لم يفهموا حقيقة الشريعة الإلهية، وسأفصل لك رد الشبهة ليطمئن
قلبك وتنجلي الحيرة تمامًا.
حقيقة
النسخ وإبطال افتراض البداء أو التناقض
يطرح
المشككون شبهتهم بناءً على افتراض خاطئ، وهو أن النسخ يعني «البداء»؛ والبداء في
لغة العرب يطلق على معنيين متقاربين:
1-
الظهور بعد الخفاء: كأن يظهر للمرء أمر كان يجهله وخافيًا عليه.
2-
نشأة رأي جديد: كأن يتبين للمرء صواب أمر لم يكن بباله، فيغير رأيه بناءً عليه.
وكلا
المعنيين مستحيل على الله -عز وجل- استحالة مطلقة عقلًا ونقلًا؛ لما يلزم منهما من
سبق الجهل وحدوث العلم. فالخالق –سبحانه- متصف أزلًا وأبدًا بالعلم الواسع المحيط
بكل ما كان وما سيكون، قال تعالى: ﴿وَعِندَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لَا يَعْلَمُهَا
إِلَّا هُوَ ۚ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ ۚ وَمَا تَسْقُطُ مِن
وَرَقَةٍ إِلَّا يَعْلَمُهَا وَلَا حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الْأَرْضِ وَلَا رَطْبٍ
وَلَا يَابِسٍ إِلَّا فِي كتَابٍ مُّبِينٍ﴾ [الأنعام: 59].
وقد
أوضح الإمام الزرقاني -رحمه الله- في كتابه «مناهل العرفان» هذه القضية ببراعة؛
حيث بيَّن أن الله –تعالى- حين نسخ بعض أحكامه ببعض، كان يعلم أزلًا أن الحكم
المنسوخ منوط بمصلحة تنتهي في وقت معلوم، وكان يعلم أزلًا أن الحكم الناسخ سيأتي
في ميقاته المعلوم منوطًا بمصلحة أخرى. فالأحكام، والمصالح، والعباد، والنواسخ
والمنسوخات كانت كلها معلومة لله –تعالى- أزلًا قبل تشريعها. فالجديد في النسخ
بالنسبة للبشر ليس أن الله عَلِم شيئًا جديدًا، وإنما هو إظهاره –سبحانه- للعباد
ما كان يعلمه أزلًا.
يقول
الله تعالى في كتابه العزيز: ﴿مَا نَنسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنسِهَا نَأْتِ
بِخَيْرٍ مِّنْهَا أَوْ مِثْلِهَا ۗ أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَلَىٰ كلِّ
شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [البقرة: 106]. وقال -جلَّ وعلا- مبينًا اتهام الكفار القدامى
للنبي ﷺ بالاتهام نفسه الذي قرأتِه: ﴿وَإِذَا بَدَّلْنَا آيَةً مَّكانَ آيَةٍ ۙ
وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا يُنَزِّلُ قَالُوا إِنَّمَا أَنتَ مُفْتَرٍ ۚ بَلْ
أَكثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [النحل: 101]. تأملي قوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ
أَعْلَمُ بِمَا يُنَزِّلُ﴾؛ أي أنه –سبحانه- يعلم أزلًا التوقيت المناسب لكل حكم
والحكمة منه.
تخيلي
-مثلًا- طبيبًا ماهرًا يعالج مريضًا يخضع لبرنامج استشفائي طويل، فيعطيه في
الأسبوع الأول دواءً خفيفًا ليستعد جسمه العليل لتقبل العلاج. وفي الأسبوع الثاني
يوقف الدواء الأول ويعطيه دواءً أقوى يناسب مرحلة الشفاء الجديدة. فهل نقول عن هذا
الطبيب إنه مناقض لنفسه؟ أم نقول إنه جاهل بالطب؟ أم إن تغير العلاج كان ببالغ
حكمته وعلمه بجميع مراحل المرض؟
ولله
المثل الأعلى، فالله –تعالى- هو الخالق البارئ، يعلم طبيعة النفس البشرية، وأثر
البيئة، ونفوس العرب الذين بُعث فيهم النبي ﷺ، فكان النسخ والتدرج من باب التربية
الإلهية والرحمة بالعباد.
حِكَم
ومقاصد النسخ
إن
وقوع النسخ في الشريعة ينطوي على حِكم إلهية متعددة، تظهر كمال الشريعة لا نقصها،
ومن أبرز هذه الحكم:
1-
تطور البشرية ونضجها: نسخت الشريعة الإسلامية الشرائع التي جاء
بها الأنبياء قبل نبينا محمد -عليهم جميعًا صلوات الله وسلامه- لأن النوع الإنساني
تقلب في أدوار مختلفة، وكان يتنقل من السذاجة والبساطة إلى مرحلة النضج؛ فلما بلغ
العالم أوان نضجه واستوائه، جاءت الشريعة الإسلامية الخاتمة لتكون أكمل تشريع يلبي
حاجات الإنسانية كافة، ويجمع بين مطالب الروح والجسد إلى قيام الساعة.
2-
التدرج من الأسهل إلى الأصعب: لسياسة الأمة وتعهدها بما يرقِّيها
ويمحصها على مهل، فتأخذ الشريعة العباد من الأسهل إلى السهل، ومن السهل إلى الصعب
بمران وإلف، حتى تستقر أحكام الدين في نفوسهم، كما حدث في تدرج فرضية الصيام
وتحريم الخمر.
3-
التدرج من الأصعب إلى الأسهل: للتخفيف عن العباد، وإظهار فضل الله
ورحمته بهم، وفي ذلك تحبيب لهم في الدين ودعوة لشكره وحمده وتمجيده؛ كنسخ مصابرة
المسلم لعشرة من الكفار في القتال، إلى مصابرة اثنين فقط، في قوله تعالى: ﴿الآنَ
خَفَّفَ اللَّهُ عَنكُمْ وعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفًا فَإن يَكُن مِّنكُم
مِّائَةٌ صَابِرَةٌ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ وإن يَكُن مِّنكُمْ أَلْفٌ يَغْلِبُوا
أَلْفَيْنِ بِإذْنِ اللَّهِ واللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾ [الأنفال: 66].
4-
النسخ إلى حكم مساوٍ في الصعوبة أو السهولة: وذلك
للابتلاء والتمحيص، ليتميز المؤمن الصادق المنقاد لأمر ربه، من المنافق المتردد؛
كما حدث في تحويل القبلة من بيت المقدس إلى الكعبة.
النسخ
مدرسة تربوية ودعوية
ومن
الحكم العظيمة الجليلة التي تتجلى في التشريع بالنسخ، أن الله -سبحانه وتعالى-
أراد أن يجعل منه مدرسة عمل تربوية للدعاة والمربين والمعلمين في كل زمان ومكان؛
ليعلمهم كيف يتعاملون مع النفوس البشرية، ويأخذون بأيدي الناس خطوة خطوة دون طفرة
أو انتقال عنيف يُنفِّرهم من الحق. فالداعية الذي يفهم فلسفة النسخ والتدرج
التشريعي لا يطالب حديث العهد بالإسلام ولا التائب الجديد بتطبيق كافة التكاليف
الشرعية ونوافلها دفعة واحدة، بل يدرجه في أصول الدين وواجباته شيئًا فشيئًا،
رفقًا بضعفه ومراعاة لطاقته.
وقد
تجسد هذا الفهم التربوي في قول أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها: «إِنَّمَا نَزَلَ
أَوَّلَ مَا نَزَلَ مِنْهُ سُورَةٌ مِنَ الْمُفَصَّلِ، فِيهَا ذِكرُ الْجَنَّةِ
وَالنَّارِ، حَتَّى إِذَا ثَابَ النَّاسُ إِلَى الإِسْلاَمِ نَزَلَ الْحَلاَلُ
وَالْحَرَامُ، وَلَوْ نَزَلَ أَوَّلَ شَيْءٍ: لاَ تَشْرَبُوا الْخَمْرَ،
لَقَالُوا: لاَ نَدَعُ الْخَمْرَ أَبَدًا، وَلَوْ نَزَلَ: لاَ تَزْنُوا،
لَقَالُوا: لاَ نَدَعُ الزِّنَا أَبَدًا» [رواه البخاري]. فالنسخ يرسخ في أذهان
المربين أن هداية الناس وإصلاح المجتمعات مسار تراكمي، يسير وفق سنن التدرج
والرفق، وليس ضربة قاضية تنهي الأمر في ليلة وضحاها.
اقتراحات
لحماية قلبك وإيمانك
علاج
الشبهات يا ابنتي لا يكون فقط بالرد العقلي، بل بإغلاق المنافذ وبناء الحصانة،
وإليك هذه الخطوات العملية:
1-
الوقاية وسد الذرائع: تجنبي دخول المنصات أو الصفحات التي تطرح
الشبهات دون أن تملكي حصانة علمية شرعية واسعة، واقطعي تمامًا متابعة هذه
المنشورات.
2-
التمييز بين الأصول والفروع: اعلمي أن إيمانك بالله ونبيه وكتابه
يقوم على أدلة يقينية قطعية (مثل إعجاز القرآن، ودلائل النبوة، ونشأة الكون). فلا
يستقيم هدم الأصول الثابتة باليقين لمجرد عدم فهم فرع أو مسألة جزئية كمسألة
النسخ.
3-
التأصيل العلمي الموثوق: إذا أشكل عليك أمر، فافزعي إلى أهل
العلم والكتب الموثوقة. ولا تسألي ولا تجادلي مشكك دون علم راسخ متمكن.
4-
الدعاء والذكر: احرصي على وردك اليومي من القرآن، وأذكار الصباح
والمساء والأحوال، والدعاء في أوقات الإجابة بتثبيت الإيمان وزيادته، وأكثري من
هذا الدعاء المأثور: «يَا مُقَلِّبَ الْقُلُوبِ ثَبِّتْ قَلْبِي عَلَى دِينِك».
وختامًا
يا ابنتي، إن النسخ ليس تهمة؛ بل هو أكبر دليل على أن هذا القرآن نزل من عند رب
رحيم، يعلم كيف يربي عباده وينقلهم من الجاهلية إلى كمال الإيمان شيئًا فشيئًا.
فاطمئني واثبتي، واعلمي أن الحق يعلو ولا يُعلى عليه.
أسأل
الله العظيم أن يقر عينك بصفاء اليقين، وأن ينزع من صدرك كل وسواس وشبهة، وأن
يجعلك من الهداة المهتدين، وأن يحفظ عليك دينك وعقلك، ويجمعنا وإياك في دار كرامته
مع النبيين والصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقًا.
روابط
ذات صلة:
كيف نتعامل مع تشكيك الشباب في المعجزات والغيبيات؟