معاملة "التداول عالي التردد" في ميزان الحكم الشرعي

ما مدى مشروعية الاستثمار عبر خوارزميات التداول عالي التردد (High-Frequency Trading) التي تستغل أجزاء من الثانية للفروق السعرية، وهل الاستثمار بهذه الطريقة يتناقض مع مقاصد الشريعة، وما هي محاذيره الشرعية؟

الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده، وبعد:

 

فأهلاً وسهلاً ومرحبًا بك أخي الكريم، وإن المعاملات المالية المعاصرة في الأسواق المالية تتطور بتطور التقنية، والشريعة الإسلامية تبيح التجارة والاستثمار إذا تحققت شروط صحة العقود وانتفت موانعها. والتداول عالي التردد (HFT) يمثل أقصى درجات الانفصال بين "الاقتصاد الحقيقي" و"الاقتصاد المالي الرقمي"، حيث تتحول السوق من منصة لتبادل المنافع ودعم الشركات، إلى ساحة للسباق الحاسوبي الذي يعتمد على السرعة المطلقة لاقتناص هوامش ربح خالية من المخاطرة الحقيقية، مما يستوجب ضبط هذه الممارسة بميزان الفقه الإسلامي.

 

اختصارا: التداول عالي التردد (HFT) بصورته الحالية المعتمدة على استغلال الفروق الزمنية ـ بالمللي ثانية ـ وعمليات الاستباق والأوامر الوهمية، غير جائز شرعًا. ويرجع سبب المنع إلى تخلف شرط "القبض الشرعي" سواء الحقيقي أو الحكمي قبل إعادة البيع، بالإضافة إلى اشتماله على التغرير، والتدليس وأكل أموال الناس بالباطل من خلال الإيهام بوجود طلبات أو عروض وهمية، كما أنه يخرج بأسواق المال عن مقصدها الشرعي والاقتصادي ليحولها إلى ما يشبه صالات القمار المالي التي يربح فيها الأسرع تقنيًّا على حساب عموم المستثمرين.

 

وتفصيلاً:

 

أولاً: شرح مبسط للتداول عالي التردد (HFT)

 

التداول عالي التردد: هو تقنية مالية تعتمد على حواسيب فائقة السرعة وبرمجيات وخوارزميات معقدة لتنفيذ ملايين الصفقات في أجزاء من الثانية، وبالتالي فهو لا يهدف إلى الاستثمار الحقيقي في الشركات أو الاحتفاظ بالأسهم، أو حتى مجرد التملك، بل يستغل ثغرة تقنية ليستهدف اصطياد فروق طفيفة جدًّا في الأسعار قد تكون أجزاء من السنت، بين أسواق مختلفة أو في نفس السوق، لكنها مع ملايين الأسهم تجعل فارق الربح آلافًا مؤلفة بلا أدنى عناء فقط لمجرد الشراء والبيع في جزء من الثانية.

 

ثانيا: أبرز آليات عمله التي تثير المحاذير الشرعية:

 

الاستباق: تستغل هذه الحواسيب سرعة وصول البيانات إليها ـ بفضل كابلات الألياف الضوئية المباشرة مع البورصة ـ لتعرف أن مستثمرًا عاديًا طلب شراء سهم معين، فتقوم الخوارزمية بشراء السهم قبله بأجزاء من الثانية، ثم تبيعه له بسعر أعلى قليلاً.

 

الأوامر الوهمية: تقوم تلك البرمجيات المصممة خصيصًا لهذا الغرض بضخ آلاف طلبات الشراء الوهمية للإيحاء بأن هناك طلبًا هائلاً على سهم ما، مما يدفع المستثمرين العاديين للشراء ورفع السعر، وقبل تنفيذ الأوامر الوهمية بأجزاء من الثانية، تقوم الخوارزمية بإلغائها، وتبيع ما تملكه بالسعر المرتفع.

 

ثالثًا: التكييف الفقهي في آراء المتقدمين

 

في مسألة انعدام القبض: روى الإمام أحمد وأصحاب السنن عن حكيم بن حزام رضي الله عنه قال: قلت: يا رسول الله، يأتيني الرجل فيسألني البيع ليس عندي، أأبتاع له من السوق ثم أبيعه؟ قال: «لا تَبِعْ مَا لَيْسَ عِنْدَكَ». وفي حديث زيد بن ثابت رضي الله عنه: «أن النبي  نهى أن تباع السلع حيث تبتاع، حتى يحوزها التجار إلى رحالهم». فبيع السهم بعد أجزاء من الثانية من شرائه يعني أن البائع باعه قبل أن تستقر ملكيته في حسابه والذي يأخذ عادة يومي عمل.

 

في مسألة الصورية: يكيف الفقهاء ضخ الأوامر الوهمية وإلغاءها على أنه من باب ـ النَّجْش ـ المحرم. روى البخاري ومسلم عن ابن عمر رضي الله عنهما: «أن النبي ﷺ نهى عن النَّجْش». قال الإمام ابن قدامة في "المغني": "والنجاش: أن يزيد في السلعة من لا يريد شراءها، ليسمع غيره فيزيد بزيادته، وهذا حرام". وهو التطابق الحرفي لخوارزميات التداول التي تضع آلاف الأوامر لرفع السعر ثم تلغيها قبل التنفيذ.

 

ثانيًا: قرارات المجامع الفقهية المعاصرة (آراء المحدثين):

 

مجمع الفقه الإسلامي الدولي: في قراره رقم ـ 63 ـ ـ 1/7 ـ بشأن الأسواق المالية، نص على أنه: "لا يجوز بيع سهم لا يملكه البائع".

 

ولو تجاوزنا فكرة القبض التي لا تتجاوز الجزء من الثانية، فتلك المعاملة تحول السوق من عمليات بيع وشراء بغرض التملك والاستثمار إلى مجرد منصة مقامرة بين الأسرع والأسبق.

 

الباحثون في الاقتصاد الإسلامي المعاصر: يتفق الخبراء ـ مثل د. علي القره داغي وغيره في بحوث فقه النوازل المالية ـ على أن التداول عالي التردد لا يحقق مقاصد الشريعة في الاستثمار، بل هو "مقامرة هيكلية"؛ لأنه استرباح من حركة السعر الوهمية اللحظية دون تحمل مخاطر ملكية الأصل (الخراج بالضمان).

 

القواعد الفقهية الحاكمة في معاملة "التداول عالي التردد":

 

قاعدة: لا ضَرَرَ ولا ضِرَار:

 

التداول عالي التردد يلحق ضررًا فادحًا باستقرار الأسواق ويسبب ما يُعرف بـ الانهيارات الخاطفة، كما يضر بالمستثمر العادي الذي تُستغل بطء بياناته لصالح الخوارزميات، والشريعة تمنع كل معاملة تؤدي إلى الإضرار المنهجي بالآخرين.

 

قاعدة: الخَرَاجُ بالضَّمَان: ومعناها أن استحقاق الربح يكون مقابل تحمل المخاطرة بملكية الأصل. وخوارزميات HFT تبرمج لشراء وبيع الأصل في نفس اللحظة تقريبًا لتجنب أي مخاطرة تتعلق بامتلاك السهم، مما يجعل الربح الناتج غير مستحق شرعًا لغياب الضمان.

 

قاعدة: العبرة في العقود بالمقاصد والمعاني لا بالألفاظ والمباني: الأوامر التي تصدرها الخوارزميات ليست عقود شراء حقيقية، بل هي أوامر قصد بها التلاعب والتسعير الوهمي فهي عقود صورية باطلة الغرض منها أكل أموال الناس بالباطل.

 

قاعدة: ما بُني على باطل فهو باطل: استباق أوامر المستثمرين ـ هو نوع من استراق السمع المالي والتجسس التجاري لاستغلال معلومات لم تُتح للعموم بعد، والتربح من هذه الأفضلية غير العادلة محرم. والله تعالى أعلى وأعلم.

 

روابط ذات صلة:

التداول في سوق الأوراق المالية (البورصة).. حقيقته وحكمه