أثر التقارير النفسية في منع الحضانة عن أحد الوالدين شرعا

ما مدى مشروعية إسقاط حق الرؤية أو الولاية الأسرية بناءً على تقارير نفسية تُظهر عدم الجاهزية العاطفية للوالد؟ 

الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده، وبعد:

 

فأهلاً وسهلاً ومرحبًا بك أخي الكريم، واعلم حفظك الله ورعاك أن الشريعة الإسلامية الغراء قد عنيت بحفظ حقوق الأبناء ورعاية مصالحهم المادية والمعنوية عناية بالغة، وقد جعلت مناط الحضانة والولاية هو "المصلحة الراجحة" للطفل. وفي العصر الحديث، ظهرت آليات تقييم نفسية وسلوكية معتمدة دوليًّا ومحليًّا لتقدير الأهلية العاطفية والقدرة التربوية للوالدين، مما يثير تساؤلاً فقهيًّا حول مدى اعتبار هذه التقارير سببًا مسقِطًا لحق الرؤية أو الولاية.

 

اختصارًا: يجوز للقاضي أو ولي الأمر الشرعي تقييد أو إسقاط حق الحضانة أو الولاية الأسرية بناءً على التقارير النفسية المعتمدة التي تثبت يقينًا أو مع غلبة ظن راجحة وجود خطر حقيقي أو عدم أهلية قد تلحق الضرر النفسي أو الجسدي بالأبناء في سن الحضانة؛ لأن مدار هذه الأحكام على دفع الضرر وتحقيق المصلحة الفضلى للطفل. أما "الرؤية" فلا تسقط كليًّا بل قد تنظم وتُقيد تحت إشراف جهات مختصة، حمايةً لحق الروابط الأبوية ما لم يكن الضرر محققًا ومتعذرًا دفعه إلا بالمنع التام.

 

وتفصيلاً:

 

أولا ما هي الإجراءات المتبعة في هذه الحالة:

 

رفع دعوى قضائية أمام محاكم الأسرة من أحد الطرفين أو الجهة المعنية بحماية الأسرة والطفل.

 

إحالة الأب أو الأم إلى أخصائيين نفسيين واجتماعيين معتمدين لإجراء اختبارات تقييم الشخصية والسلامة العاطفية مثل مقياس الاكتئاب، الاضطرابات السلوكية، أو القدرة على الرعاية.

 

إصدار تقرير فني مفصل يُرفع للقاضي لتحديد مدى الأهلية.

 

البلاد التي تطبقها: تطبق هذه المعايير بتفاوت محاكم الأحوال الشخصية في العديد من الدول العربية والإسلامية كدولة الإمارات، ومصر، والأردن، والسعودية في قضايا حماية الطفل والنزاعات الأسرية، فضلاً عن الأنظمة القضائية الغربية التي تعتمد "المصلحة الفضلى للطفل" كمعيار أساسي عبر خبراء علم النفس القضائي.

 

ما هي المحاذير الشرعية؟

 

ـ إمكانية التلاعب بالتقارير النفسية أو استخدامها كأداة انتقامية وكيدية بين الزوجين المنفصلين، ولا تبرأ ذمة من تلاعب حتى يرد الحقوق إلى أصحابها.

 

ـ التوسع المفرط في حرمان الوالد من رؤية ولده بناءً على عوارض نفسية مؤقتة ومقيدة بالمعالجة، مما يقطع الأرحام ويخالف الأصل الشرعي في بقاء الصلة.

 

ـ إعطاء سلطة مطلقة للخبراء النفسيين بما قد يصطدم أحيانًا بالثوابت الشرعية أو الأعراف الأسرية السليمة إن خلا التقرير من المعايير الموضوعية الرصينة.

 

آراء العلماء قديمًا وحديثًا:

 

الأصل الشرعي هو اشتراط الأهلية والسلامة للحضانة والولاية: اتفق الفقهاء على أن من أُصيب بمرض عقلي أو نفسي يمنعه من رعاية أبنائه أو حفظهم من الهلاك، تسقط عنه الحضانة لزوال مناطها وهو القدرة على الرعاية والشفقة.

 

قال الإمام المرداوي الحنبلي في "الإنصاف" 10/314: "ولا تصح الحضانة إلا لمن توافرت فيه شروط الأهلية والأمانة والقدرة على تربية الابن في سن الحضانة وصيانته، فمتى فقدت إحداها سقطت الحضانة".

 

وجاء في "الموسوعة الفقهية الكويتية" 17/305: "يشترط في الحاضن أن يكون أهلاً للقيام بتربية الابن في سن الحضانة وحفظه، فلو كان به مرض يعجزه عن الحضانة أو يضر به فلا يسلم إليه".

 

وللقاضي أن يستعين بأهل الخبرة والثقة من الأطباء النفسيين والخبراء الاجتماعيين لتشخيص حالة الوالدين؛ لأن الحكم بسلامة العقل والنفس من الأمور الخفية التي تُعرف بالاستعانة بالخبراء، وهو ما يوافق مقاصد الشريعة في سؤال الخبراء وأهل العلم والمعرفة.

 

القواعد الفقهية الحاكمة في أثر التقارير النفسية في منع الحضانة عن أحد الوالدين شرعًا:

 

قاعدة المصلحة الفضلى: أن مدار أحكام الحضانة والولاية والزيارة يدور حول جلب المصلحة للطفل ودرء المفسدة عنه أينما وُجدت.

 

قاعدة درء المفاسد مقدم على جلب المصالح: تقديم درء الضرر النفسي والجسدي المحتمل على الطفل على مصلحة الوالد في البقاء معه دون قيد.

 

قاعدة التصرف على الرعية منوط بالمصلحة: تقييد ولاية الوالد أو حقه في الرؤية إذا انقلبت إلى ضرر على الابن في سن الحضانة، إذ تصرف الولي محكوم بجلْب الخير ورفع الأذى.

 

قاعدة الضرر يزال: اعتبار الخلل النفسي الحاد أو المؤذي للطفل ضررًا يجب رفعه وعزله عن مصدره بالتدابير القضائية المناسبة. والله تعالى أعلى وأعلم.

 

روابط ذات صلة:

إذا سافرت الأم الحاضنة فمن أولى بحضانة الأبناء؟

أصبحت حضانتهم معي بعد أمهم.. كيف أتعامل مع أبنائي؟!

حضانة الطفل بعد وفاة أمه