شرح حديث: "لاَ يُصَلِّي أَحَدُكُمْ فِي الثَّوْبِ الْوَاحِدِ لَيْسَ عَلَى عَاتِقِهِ مِنْهُ شَيْءٌ"

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، أود الاستفسار عن المعنى الفقهي الدقيق للحديث النبوي الشريف: «لاَ يُصَلِّي أَحَدُكُمْ فِي الثَّوْبِ الْوَاحِدِ لَيْسَ عَلَى عَاتِقِهِ مِنْهُ شَيْءٌ» (متفق عليه). أرجو توضيح معنى الحديث وكيفية تنزيله على واقع ملابسنا المعاصرة، مع بيان حكم الصلاة بهذه الهيئات عند الفقهاء. وجزاكم الله خيراً.

الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده، وبعد:

 

فأهلاً وسهلاً ومرحبًا بك أخي الكريم، واعلم حفظك الله ورعاك، أن هيئة المصلي وزينته أمام الله عز وجل تعتبر من تمام الخشوع وتعظيم شعائر الله؛ ولهذا وضعت الشريعة الإسلامية أحكامًا دقيقة للباس المصلي، ومنها ما يتعلق بستر العاتقين، لما في كشفهما من إخلال بالمروءة والهيئة المستحبة للمصلي، لا سيما في البيئات التي كان سائدًا فيها لباس الإزار والرداء.

 

اختصارًا: المراد بالنهي في الحديث الكراهة (أو التحريم عند الحنابلة) صلاة الرجل في ثوب واحد يستر أسفل بدنه أو وسطه فقط ولا يضع على عاتقيه أو أحدهما شيئًا منه كالإزار وحده دون رداء، وتنزيل ذلك على ملابسنا المعاصرة يعني كراهة الصلاة بـ "السروال القصير" أو "البنطال" وحده دون ارتداء قميص أو فانلة تغطي الكتفين، وصلاة من فعل ذلك صحيحة مع الكراهة عند الجمهور ما لم يكن قد تكشف شيء من عورته.

 

وتفصيلاً:

 

حكم الصلاة وشرح المعنى: اختلف الفقهاء في حكم النهي الوارد في الحديث بين الكراهة التنزيهية والتحريمية، مع اتفاقهم على صحة الصلاة مع الكراهة إذا ستر العورة المغلظة.

 

فعند الحنفية: جاء في بدائع الصنائع للكاساني (1/214): "ولأنا بينا أن ستر العورة ركن والصلاة في الثوب الواحد جائزة إذا كان يستر العورة، لقوله صلى الله عليه وسلم لعمرو بن حريث أو لغيره: «إن كان واسعًا فالتحف به، وإن كان ضيقًا فائتزر به»، ولكن الأفضل أن يكون على عاتقه منه شيء".

 

وعند المالكية: جاء في المنتقى شرح الموطأ للباجي (1/157): "قوله: «ليس على عاتقه منه شيء» يريد به كراهة ذلك إذا كان يجد ما يجعله على عاتقه، فإن لم يجد فإنه يصلي فيه ولا إعادة عليه".

 

وجاء في المجموع شرح المهذب للإمام النووي (3/209): "السنة أن يكون على عاتقيه شيء من الثوب... ولو صلى بثوب واحد ليس على عاتقه منه شيء جاز وصحت صلاته، ولكن يكره إن كان قادرًا لظاهر الحديث".

 

وذهب الإمام أحمد إلى وجوب وضع شيء على العاتق لمن قدر عليه، وبطلان الصلاة إن تركها متعمدًا مع القدرة. جاء في المغني لابن قدامة (1/386): "ولا تصح الصلاة في ثوب واحد ليس على عاتقه منه شيء لمن قدر عليه، هذا هو الصحيح من مذهب أحمد، وبه قال أبو هريرة وجابر بن زيد".

 

تنزيل الحديث على واقع ملابسنا المعاصرة:

 

اللباس المعاصر المعتاد للرجال يتكون غالبًا من قطعتين (بنطال وقميص، أو ثوب طويل "جلابية").

 

فإن صلى الرجل بـ "بنطال" فقط دون قميص أو فانلة علوية تستر كتفيه وعاتقيه، شمله حكم الحديث، وتناوله النهي إن كان قادرًا على ستر عاتقيه. أما إن ارتدى قميصًا يغطي بدنه وعاتقيه، فقد امتثل الأمر وزال عنه النهي.

 

القواعد الفقهية الحاكمة في الصلاة في ثوب واحد:

 

قاعدة "النهي المطلق يقتضي الكراهة أو التحريم بحسب القرائن": والجمهور حملوا النهي هنا على الكراهة التنزيهية لورود أحاديث أخرى تجيز الصلاة في الثوب الواحد بشروط الستر، بينما شدد الحنابلة فحملوه على الوجوب.

 

قاعدة "التفريق بين شروط الصلاة وواجباتها وسننها": ستر العورة شرط صحة بإجماع، وأما ستر العاتقين فهو من باب كمال الهيئات والسنن المؤكدة عند الجمهور، وليس شرطًا لصحة الصلاة في أصلها عند غير الحنابلة. والله تعالى أعلى وأعلم.

 

روابط ذات صلة:

حكم إمامة غير الأزهري لابسًا بنطالاً وقميصًا!