<p>ما مدى صحة حديث: [عن عائشة قالت: زيِّنوا مجالسَكم بالصَّلاةِ على النَّبيِّ صلَّى اللَّهُ عليْهِ وسلَّم وبذِكرِ عمرَ بنِ الخطَّابِ]</p><p>وحديث: [عروة بن الزبير -زيِّنوا مجالسَكمْ بالصلاةِ عليَّ، فإنَّ صلاتَكمْ عليَّ نورٌ لكمْ يومَ القيامةِ] </p><p>وحديث: [عبدالله بن عمر -زيِّنوا مجالسَكم بالصلاةِ عليَّ, فإنَّ صلاتَكم عليَّ نورٌ لكم يومَ القيامةِ] </p><p>وهل الأمر في هذه الأحاديث للوجوب او الاستحباب؟</p>
الحمد لله وحده والصلاة والسلام على من لا نبي بعده، وبعد
فأهلا وسهلا ومرحبا بك أخي الكريم، واعلم حفظك الله ورعاك، أن الحديث المذكور
بألفاظه المختلفة المتعلقة بتزيين المجالس بالصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم
أو بذكر الصحابة، تناولته أحكام المحدثين بين وصفه بالضعف الشديد أوالوضع، ومع ضعف
سند هذه الألفاظ خاصةً، فإن أصل مشروعية الإكثار من الصلاة على النبي صلى الله
عليه وسلم وتذكر سير العظماء والصالحين ثابت بالأدلة الصحيحة المتواترة في الكتاب
والسنة.
اختصارا: هذا الحديث
بمجموع طرقه واللفظ المسؤول عنه تحديدا ضعيف جداً أو مكذوب عند عامة أهل الحديث،
فلا يثبت نسبته للنبي صلى الله عليه وسلم بهذا اللفظ (زيِّنوا مجالسَكم...)، وعلى
فرض صحة المعنى من حيث الجملة، فإن حكم الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم في
المجالس هو الاستحباب المؤكد والندب العالي لا الوجوب الفوري الحتمي في كل مجلس، على
أن تركها في المجالس ليس محرماً ولا ينبغي للمسلم أن يحرم من أجرها بتركها
بالمجمل.
وتفصيلا:
1. سرد الروايات الموثقة مع تخريجها:
رواية عائشة
رضي الله عنها: «زيِّنوا مجالسَكم بالصَّلاةِ على النَّبيِّ صلَّى اللَّهُ عليْهِ
وسلَّم وبذِكرِ عمرَ بنِ الخطَّابِ» (أو بلفظ: «زيِّنوا مجالسَكم بالصلاةِ
عليَّ...»). أوردها الديلمي في الفردوس بمأثور الخطاب، وضعّفها الحفاظ ومحققو
الحديث لكون سندها واهياً، وفيه رواة مجهولون أو متهمون، ولذلك حكم عليها جمع من
أهل العلم بالضعف الشديد أو النكارة.
روايات الشواهد
الأخرى (عن عبد الله بن عمر وابن عباس وغيرهما): وردت ألفاظ تقاربها مثل: «زيِّنوا
مجالسكم بالصلاة عليّ...». وقد أطال الحافظ السيوطي وغيره في تتبع طرقها، فأنكرها
أكثر المحققين كالإمام الألباني وابن حجر الهيثمي وآخرين، وبينوا أن هذه الألفاظ
لا تصح مرفوعة إلى النبي صلى الله عليه وسلم، وإن كان معناها الصحيح في الحث على
ذكر الله والصلاة على النبي ثابت في نصوص أخرى صحيحة كحديث أبي هريرة رضي الله عنه
عند الترمذي: «ما جلس قوم مجلساً لم يذكروا الله فيه ولم يصلّوا على نبيهم إلا كان
عليهم ترة...» وهو حديث صحيح يغني عن الألفاظ الضعيفة.
أهم الأحكام
المتعلقة بهذه الأحاديث:
· حكم الصلاة على
النبي صلى الله عليه وسلم في المجالس: ذهب جمهور
العلماء إلى أن الإكثار من الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم في المجالس مندوب ومستحب
استحباباً مؤكداً، ويُكره للمسلم أن يقوم من مجلسه دون ذكر الله أو الصلاة على
نبيه لما ورد من الوعيد في الأحاديث الصحيحة (الترة أو الحسرة)، لكنه ليس واجباً
وجوباً عينياً في كل مجلس.
· العمل بالحديث
الضعيف في فضائل الأعمال: اختلف العلماء في جواز الأخذ بالحديث الضعيف في
فضائل الأعمال (ومنه فضل الصلاة على النبي)، وضابطه ألا يكون الحديث شديد الضعف
وألا يبتدع حكماً شرعياً جديداً؛ ولأن أصل الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم
ثابت بأدلة قطعية صحيحة، فإن المسلم يُحذّر من نسبة هذا اللفظ المعين للنبي صلى
الله عليه وسلم جزماً، لكنه يُندب للعمل بمعناه الصحيح الثابت في النصوص الصحيحة
كقوله تعالى: {إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلَّوْنَ عَلَى النَّبِيِّ يَا
أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا}.
والله تعالى أعلى وأعلم