كيف نتغلب على استثقال العبادات ونستشعر حلاوتها؟

<p class="MsoNormal" dir="RTL" style="text-align:justify;direction:rtl;unicode-bidi: embed"><span lang="AR-SA" style="font-size:16.0pt;font-family:&quot;Simplified Arabic&quot;,serif">أنا فتاة متخرجة من الجامعة حديثًا. الحمد لله نعم الله عليّ كثيرة ولا أستطيع إحصاءها، وأنا مؤمنة بقلبي وأحب ربي وأعرف فضله عليَّ وعارفة أن الصلاة والصيام فرض وما فيهن كلام</span><span dir="LTR"></span><span dir="LTR"></span><span dir="LTR" style="font-size:16.0pt;font-family:&quot;Simplified Arabic&quot;,serif"><span dir="LTR"></span><span dir="LTR"></span>.</span><span lang="AR-SA" style="font-size: 16.0pt;font-family:&quot;Simplified Arabic&quot;,serif"><o:p></o:p></span></p><p class="MsoNormal" dir="RTL" style="text-align:justify;direction:rtl;unicode-bidi: embed"><span lang="AR-SA" style="font-size:16.0pt;font-family:&quot;Simplified Arabic&quot;,serif">مشكلتي إني أحس بثقل غريب وشديد يعتريني لما يجي وقت العبادة. الصلاة أؤخرها للأسف، ولما أقوم أصلي أحس إني جالسة أشيل حمل ثقيل على صدري، وأصليها بسرعة بدون أي خشوع ولا حضور قلب، بس عشان أسقط الفرض عن ذمتي. نفس الشيء مع الصيام أحس بتعب وثقل غير طبيعي</span><span dir="LTR"></span><span dir="LTR"></span><span dir="LTR" style="font-size:16.0pt;font-family:&quot;Simplified Arabic&quot;,serif"><span dir="LTR"></span><span dir="LTR"></span>.<o:p></o:p></span></p><p class="MsoNormal" dir="RTL" style="text-align:justify;direction:rtl;unicode-bidi: embed"><span lang="AR-SA" style="font-size:16.0pt;font-family:&quot;Simplified Arabic&quot;,serif">في المقابل، لما الموضوع يتعلق بالدنيا؛ طلعات مع صديقاتي، أو جلسة على الجوال ومتابعة السوشيال ميديا والمسلسلات بالساعات، أكون في قمة نشاطي والوقت يمر بدون ما أحس. لكن أول ما يؤذن المؤذن، يتقلب المود وأحس بفتور وضيق</span><span dir="LTR"></span><span dir="LTR"></span><span dir="LTR" style="font-size:16.0pt; font-family:&quot;Simplified Arabic&quot;,serif"><span dir="LTR"></span><span dir="LTR"></span>.<o:p></o:p></span></p><p class="MsoNormal" dir="RTL" style="text-align:justify"> </p><p class="MsoNormal" dir="RTL" style="text-align:justify;direction:rtl;unicode-bidi: embed"><span lang="AR-SA" style="font-size:16.0pt;font-family:&quot;Simplified Arabic&quot;,serif">أنا الحين في مرحلة فراغ بعد التخرج وانتظار الوظيفة، وأخاف هالحالة تزيد وتتحول لكسل دائم أو قسوة في قلبي. ضميري يعذبني لأني أستحي من ربي؛ كيف أقبل على الدنيا وأستثقل الوقوف بين يديه؟ كيف أتخلص من هذا الثقل؟ وكيف أستشعر حلاوة الصلاة والعبادة؟</span><span dir="LTR" style="font-size:16.0pt;font-family:&quot;Simplified Arabic&quot;,serif"><o:p></o:p></span></p>

مرحبًا بك ابنتي الفاضلة، وأشكرك على ثقتك بنا وتواصلك معنا، وأبارك لك تخرجك في الجامعة، وأسأل الله أن يبارك لك في علمك ووقتك، وأن يفتح لك أبواب التوفيق والنجاح، وأن يملأ قلبك نورًا وإيمانًا وشغفًا بطاعته، وأن يرزقك الطمأنينة وحلاوة الإقبال عليه، ويكفيك شر الفراغ والشتات، ويُعجل لك بالوظيفة الصالحة التي تعينك على دينك ودنياك، وبعد...

 

فأحمد لك يا ابنتي نفسك اللوَّامة، التي ترفعك إلى مرتبة إيمانية شريفة؛ فمع كثرة المشتتات، لم يمت فيك الحياء من الله، ولم تبرري لنفسك التكاسل، بل فزعتِ تطلبين الحل والعلاج.

 

والمشكلة التي تشتكين منها (ثقل العبادة مقابل خفة المشاغل الدنيوية) هي ظاهرة يمر بها كثير من الشباب والفتيات؛ خصوصًا في مرحلة الانتقال من ضغط الدراسة إلى فراغ ما بعد التخرج. وسأسعى معك للخروج من هذه الحالة وأضع بين يديك -بإذن الله- اقتراحات عملية لتذوقي حلاوة العبادة وتتخلصي من هذا الثقل.

 

أسباب ثقل العبادة والفتور الإيماني

 

لكي نعالج المشكلة، يجب أن نفهم أولًا لماذا أصبحت الصلاة ثقيلة على النفس، بينما متابعة مواقع التواصل والمسلسلات وغيرها من سبل الترفيه وحاجات الدنيا تجدينها خفيفة وممتعة.

 

1- اعتياد اللذَّات السريعة: عندما تقضين ساعات أمام وسائل التواصل الاجتماعي أو المسلسلات، يفرز الدماغ كميات هائلة من الدوبامين (هرمون المكافأة واللذة السريعة). هذا الإغراق المستمر يجعل الأنشطة التي تتطلب هدوءًا وتركيزًا وعمقًا -كالصلاة والقرآن- تبدو في الظاهر مملة أو ثقيلة على الدماغ الذي اعتاد التنبيه العالي والحصول على اللذة السريعة.

 

2- الفراغ والغفلة: مرحلة ما بعد التخرج تتميز -غالبًا- بوجود فراغ كبير في حياة الإنسان. وعندما لا يكون لديك مواعيد محددة (جامعة، استذكار، امتحانات...)، يتشتت الذهن، ويزيد التسويف. وقد حذر النبي من غفلة الفراغ فقال: «نِعْمَتَانِ مَغْبُونٌ فِيهِمَا كثِيرٌ مِنَ النَّاسِ: الصِّحَّةُ وَالْفَرَاغُ» [رواه البخاري]. فالفراغ وغياب الدافعية لعمل نافع يسبب الكسل البدني والنفسي، مما يجعل أقل مجهود بدني (كالوضوء والصلاة) يظهر في عينيك كأنه جبل ثقيل.

 

3- مكايد الشيطان وطبيعة النفس: النفس الإنسانية بطبعها تميل إلى الراحة والدعة، والشيطان يحرص كل الحرص على قطع الصلة بين العبد وربه. قال الله -تعالى- عن الصلاة: ﴿وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ وَإِنَّهَا لَكبِيرَةٌ إِلَّا عَلَى الْخَاشِعِينَ﴾ [البقرة: 45]. فالصلاة شاقة وثقيلة إلا على من رزقه الله الخشوع واستحضر مقام الوقوف بين يديه.

 

كما أن الشيطان يربط العقد على رأس الإنسان ليثبطه عن الطاعة، كما جاء في الحديث النبوي: «يَعْقِدُ الشَّيْطَانُ عَلَى قَافِيَةِ رَأْسِ أَحَدِكمْ إِذَا هُوَ نَامَ ثَلَاثَ عُقَدٍ...» [متفق عليه].

 

اقتراحات عملية للتخلص من الثقل والفتور

 

التخلص من ثقل الطاعة لا يأتي بالأمنيات، بل بالخطوات المتدرجة والمجاهدة الصادقة، قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ﴾ [العنكبوت: 69]. ويكون ذلك عن طريق:

 

1- تحديد وقت للشاشات: ضعي حدًّا أقصى لاستخدام الجوال ومشاهدة المسلسلات الترفيهية التي تخلو من المحرمات. ولا تجعلي الجوال أول ما تطالعين عند الاستيقاظ، ولا آخر ما ترينه قبل النوم.

 

2- فصل الترفيه عن أوقات الصلاة: تجنبي البدء في مشاهدة حلقة مسلسل أو تصفح المواقع قبل وقت الأذان بـ 20 دقيقة على الأقل؛ لأن الذهن أثناء الصلاة سيبقى معلقًا بما كان يشاهده قبلها.

 

3- الانشغال بالمفيد: استثمري مرحلة ما بعد التخرج في أخذ دورات تدريبية في تخصصك، أو قراءة كتب، أو تعلم مهارة، أو العمل التطوعي، أو حتى ممارسة الرياضة والهوايات مفيدة، فمثل هذه الأنشطة تطرد الكسل وتحفز الذهن، وتريح النفس.

 

4- التهيئة النفسية والبدنية قبل الأذان: لا تنتظري حتى يؤذن المؤذن ثم تقومي مباشرة وعقلك ممتلئ بضجيج الدنيا. توضئي قبل الأذان بوقت كافٍ، واستحضري أثناء غسل أعضائك أن الخطايا والذنوب تخرج من جسدك مع قطر الماء. واجعلي للصلاة لباسًا مخصصًا مريحًا وجميلًا، واستعملي عطرًا تحبينه ما دمتِ في بيتك. فهذه الأمور تعطي إشارات للمخ بأنك مقبلة على حدث مميز وممتع.

 

5- التدرج والمواظبة: ركِّزي أولًا على إتقان الفرائض في وقتها. قال رسول الله: «أَحَبُّ الأَعْمَالِ إِلَى اللَّهِ أَدْوَمُهَا وَإِنْ قَلَّ» [متفق عليه]. فلا تحملي نفسك فوق طاقتها دفعة واحدة حتى لا تنفري، بل ثبِّتي الفرائض في أوقاتها بكفاءة، ثم زيدي تدريجيًّا في النوافل.

 

كيف تستشعرين حلاوة الصلاة والعبادة؟

 

حلاوة العبادة ليست شعورًا سحريًّا يهبط علينا فجأة؛ بل هي ثمرة معرفة يقينية بالله -عز وجل- وتذوق مناجاته تدريجيًّا، وتصلين إليها -بإذن الله- بالتالي:

 

1- تغيير المفهوم الذهني للصلاة: إن الصلاة ليست مجرد واجب بدني تؤدينه لتتخلصي من المسؤولية؛ بل هي ملجأ ومُستراح. وقد كان النبي إذا حزبه أمرٌ أو ضاق صدره ينادي: «أَرِحْنَا بِهَا يَا بِلَالُ» [رواه أبو داود]. فانظري للصلاة على أنها محطة شحن لروحك من تعب الدنيا، وفرصة لتفريغ كل همومك وأفكارك ومخاوفك بين يدي من يملك خزائن السماوات والأرض.

 

2- استحضار المناجاة في الفاتحة: عندما تقرئين الفاتحة، استشعري أن الله يسمعك ويرد عليك آية بآية، كما جاء في الحديث: «قال اللهُ تَعالى: قَسَمتُ الصَّلاةَ بَيني وبينَ عَبدي نِصفَينِ، ولعَبدي ما سَألَ، فإذا قال العَبدُ: {الحَمدُ للَّهِ رَبِّ العالَمينَ}، قال اللهُ تَعالى: حَمِدَني عَبدي، وإذا قال: {الرَّحمَنِ الرَّحيمِ}، قال اللهُ تَعالى: أثنى عليَّ عَبدي، وإذا قال: {مالِكِ يَومِ الدِّينِ}، قال: مَجَّدَني عَبدي، وقال مَرَّةً فوَّضَ إلَيَّ عَبدي، فإذا قال: {إيَّاك نَعبُدُ وإيَّاك نَستَعينُ} قال: هذا بَيني وبينَ عَبدي، ولعَبدي ما سَألَ، فإذا قال: {اهدِنا الصِّراطَ المُستَقيمَ صِراطَ الذينَ أنعَمتَ عليهم غيرِ المَغضوبِ عليهم ولا الضَّالِّينَ} قال: هذا لعَبدي، ولعَبدي ما سَألَ» [رواه مسلم]. فلو استشعرتِ أن ملك الملوك يسمعك ويرد عليك، لزال الثقل وحل محله الشوق.

 

3- التأني وتدبُّر أذكار الصلاة: الطمأنينة ركن في الصلاة، والسرعة في الصلاة تفرغها من روحها. إن أقرب ما يكون العبد من ربه وهو ساجد؛ فاجعلي سجودك مساحة للفضفضة والدعاء بكل ما في قلبك. ادعي الله أن يحبب إليك الإيمان ويزينه في قلبك، وتدبري فيما تقولين من أذكار بالصلاة، تكبيرًا وتسبيحًا في قيامك وركوعك وسجودك.

 

4- استحضار نعم الله: تأملي في النعم التي منَّ الله عليك بها: الصحة، والعقل، والأهل، والتخرج، والأمان. قال تعالى: ﴿وَإِن تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا﴾ [إبراهيم: 34]. فعندما تقبلين على الصلاة باعتبارها شكرًا وحمدًا للمنعم، ينقلب الشعور من عبء إلى امتنان.

 

5- المثابرة والمصابرة: إن البدايات فيها مجاهدة ومكابدة وصبر، وإن النفس تحتاج إلى ترويض حتى تعتاد الطاعة وتتذوق حلاوتها. فلا تيأسي إذا لم تشعري بالخشوع من اليوم الأول، بل استمري في المحاولة. يقول أحد التابعين: «كابَدْتُ الصَّلَاةَ عِشْرِينَ سَنَةً، وَتَمَتَّعْتُ بِهَا عِشْرِينَ سَنَةً».

 

تخيلي شخصًا اعتاد تناول الأطعمة السريعة المليئة بالمحسنات الاصطناعية والسكر العالي، ثم قُدِّم له طعام صحي طبيعي. في البداية لن يستسيغه، ويرهقه طعمه ويزهد فيه، لكن بعد أيام من الامتناع عن الأطعمة الاصطناعية الضارة، والدوام على الطعام الطبيعي الجيد والمفيد، سيبدأ اكتشاف الطعم الطبيعي الأصيل والتمتع به. كذلك الروح: متى ما خففتِ من الملهيات والمشتتات، عاد لسان روحك ليتذوق طعم المناجاة وحلاوة القرآن والعبادة.

 

6- الاستعانة بالله: اطلبي من الله العون وتضرعي إليه بالدعاء: «اللَّهُمَّ أَعِنِّي عَلَى ذِكرِك وَشُكرِك وَحُسْنِ عِبَادَتِك».

 

7- الصحبة الصالحة: تواصلي مع صديقات صالحات تجتمعن سويًّا على الطاعات، وتذكِّر كل منكن الأخرى بالله وعبادته، وتشجعها، يقول الله عز وجل: ﴿واصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُم بِالْغَدَاةِ والْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وجْهَهُ ولا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الحَيَاةِ الدُّنْيَا ولا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَن ذِكْرِنَا واتَّبَعَ هَوَاهُ وكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا﴾ [الكهف: 28]. وقال النبي ﷺ: «الرَّجُلُ عَلَى دِينِ خَليلِه؛ فَلْيَنْظُرْ أَحَدُكُمْ مَنْ يُخالِلْ» [رواه أبو داود].

 

وختامًا يا ابنتي، إن الله يعلم ما في قلبك من صدق ورغبة في القرب منه، وحياؤك منه -سبحانه- هو باب خير واسع. فلا تدعي الشيطان يقنعك بأنك منافقة أو بأن قلبك قد فسد وقسا، بل اعتبري هذه المرحلة فرصة لإعادة ترتيب حياتك واكتشاف ذاتك من جديد.

 

أسأل الله أن يربط على قلبك، وأن يشرح صدرك للإيمان، وأن يحبب إليك الصلاة والعبادة ويجعلها قرة عينك وسعادة روحك.

 

اللهم أزل عن قلبها كل ثقل وفتور، واشفِ روحها من المشتتات، واجعلها هادية مهتدية. اللهم ارزقها العمل الصالح الذي يرضيك، والرزق الحلال الذي يغنيها، والوظيفة المباركة التي تعينها، واجعل مستقبلها خيرًا من حاضرها، واجمع لها بين خيرَي الدنيا والآخرة. وصلِّ اللهم وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

 

روابط ذات صلة:

كيف تتخلص ربة المنزل من الكسل عن أداء العبادات؟

قلبي معلَّق بالسماء لكنه مثقل بالانتظار

فقدت لذة العبادة وأشعر بالفتور.. كيف أعود؟