هل يجوز شرعا أن أقترض لشخص ما من بنك ربوي ليشتري بيته الأول لعدم قدرته على القيام بالقرض نفسه لعدم توفر شروط البنك علما أنه هو الذي سيقوم بدفع الأقساط البنكية عبر حسابي البنكي؟
الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده،
وبعد:
فأهلاً وسهلاً ومرحبًا بك أخي الكريم، وإن التعامل
بالربا أكلًا أو إقراضًا أو استقراضًا أو توسطًا فيه لهو من كبائر الذنوب التي
توعد الله عليها حربًا لا هوادة فيها، وقد حرص علماء الشريعة المعاصرون ومجامع
الفتوى على بيان الأحكام المتعلقة بالمعاملات المالية الحديثة، لا سيما ما يتصل
بالبنوك الربوية وشراء المساكن وغيرها من الضروريات.
اختصارًا: لا
يجوز لك شرعًا أن تقترض بالربا لا لنفسك ولا نيابة أو وكالة عن شخص آخر لكي يشتري
بيتًا، حتى وإن كان السكن له ضرورة أو حاجة ملحة، على فرض تحقق الضرورة الملجئة
والمبيحة للتعامل بالربا فهي إنما تبيحه لصاحب الضرورة لا لك، فأنتما ذمتان
منفصلتان وما يعد ضرورة له لا ينسحب عليك؛ لأن عقد الربا سيكون متعلقًا بك أنت،
بدليل أنه إذا لم يسدد فستكون ملزمًا بالسداد ودفع الربا، ولا يمكنك التعلل بأنه
من أخذ المال، وفي ذلك إقدام على الربا الصريح وتحمل لإثمه.
أما
بخصوص حكم الاقتراض لشراء السكن عند الضرورة والحاجة المعتبرة، فقد ذهب جمهور
المعاصرين إلى تحريم ذلك إلا في حالة "الضرورة الملجئة" التي ترفع
الحرج، بينما أجازه بعض المعاصرين (كالمجلس الأوروبي للإفتاء والبحوث وغيره)
بضوابط شديدة تخص السكن الضروري لمن لم يجد مسكنًا بالتمليك أو بالأجرة بالبدائل
الإسلامية المشروعة.
وتفصيلاً:
حكم
الاقتراض بالربا لشراء السكن (وهل يُعد ضرورة؟):
يختلف
الأمر اختلافًا بيِّنًا بين المجتمعات، فعلى سبيل المثال يعيش الملايين من
المصريين في بيوت مستأجرة، تستقر أمورهم أحيانًا، ويعانون القليل أحيانا حتى يوسع
الله عليهم ويشترون بيوتهم. ومثلهم كثر في المجتمعات العربية، بينما يعاني
المسلمون في أوروبا مثلاً معاناة شديدة تثقل كواهلهم بأعباء لا يطيقونها ويضطرون
اضطرارًا للاقتراض لشراء البيوت التي تقل أقساط شرائها أحيانا عن أجرة استئجارها.
ولذلك
اتفقت دور الإفتاء مثل اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء في السعودية على
تحريم الاقتراض بالربا لشراء البيوت، وأن الأصل أن سكن الإنسان بالأجرة يرفع
الحاجة ولا يبلغ مرتبة "الضرورة" التي تبيح المحظورات كعقود الربا.
وفي
المقابل، ذهبت بعض المجالس والهيئات المعاصرة (مثل المجلس الأوروبي للإفتاء
والبحوث) إلى جواز ذلك استثناءً لمن لا يملك سكنًا ويحتاجه لدفع الحرج الشديد عن
أسرته بشرط عدم توفر البدائل الإسلامية.
حكم
الاقتراض بالربا لمصلحة الغير أو التوسط فيه:
نص
الفقهاء في الهيئات الرسمية على أن الاقتراض بالفوائد الربوية محرم سواء كان
لمصلحة الشخص نفسه أو لمصلحة غيره، وأن من اقترض لشخص آخر تحمل وزر المعاملة
الربوية المتعلقة بذمته.
القواعد
الفقهية الحاكمة في الاقتراض بالربا لشراء السكن:
قاعدة
"الضرورات تبيح المحظورات، والضرورة تقدّر بقدرها": فالضرورة الملجئة (إن وجدت وثبتت بحسب حال الشخص نفسه لا غيره قد تُبيح له هو
الاقتراض بقدر ما يدفع عنه الهلكة أو الحرج الشديد، ولا يمتد ذلك الحكم لغيره
ليتوسط له فيه بالوسائل المحرمة.
قاعدة
"التحريم في الأصل يمنع الإعانة عليه": لقوله تعالى:
{وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَىٰ وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ
وَالْعُدْوَانِ}، فإقراض الشخص أو فتح الحساب البنكي ليجري من خلاله القرض الربوي
للغير يُعد من التعاون على الإثم والعدوان وأكل الربا. والله تعالى أعلى
وأعلم.
روابط
ذات صلة: