ما الحكم الشرعي في تركيب صمامات أو أجهزة قلبية تحتوي على مواد مشتقة من أجزاء خنزير أو حيوان غير مذكى؟ وهل تُعتبر "الضرورة" تبيح الاستمرار في تركيبها عند وجود بديل طاهر ولكنه أعلى تكلفة؟
الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده،
وبعد:
أهلاً وسهلاً ومرحبًا بك أخي الكريم، واعلم أن حفظ
النفوس وعلاجها من أعظم مقاصد الشريعة الإسلامية الكلية، غير أن النوازل الطبية
المعاصرة التي تتداخل فيها أجزاء المحرمات أو النجاسات كأعضاء وأنسجة الخنزير
تستدعي ضبطًا فقهيًّا دقيقًا يوازن بين حرمة هذه المواد من جهة، وبين ضرورة حفظ
الحياة البشرية ورفع الحرج عن المرضى من جهة أخرى.
اختصارًا: الأصل
في أجزاء الخنزير والحيوان غير المذكى التحريم والنجاسة، ولا يجوز الانتفاع بها
اختيارًا، ولكن يجوز زرع صمام القلب المأخوذ من الخنزير أو الحيوان غير المذكى عند
الضرورة أو الحاجة الملحة التي تقوم مقام الضرورة، بشرط عدم توفر البديل المباح
المناسب.
أما
بخصوص وجود بديل طاهر ولكنه أعلى تكلفة: فإن كانت
الزيادة في التكلفة تفوق طاقة المريض المالية وتسبب له عسرًا فاحشًا أو عجزًا عن
العلاج، أو كان البديل الطاهر دونه في الكفاءة الطبية، جاز للمريض الأخذ بالرخصة
واستعمال البديل المتاح من خنزير أو حيوان غير المذكى نظرًا لتحقق معنى الحاجة
المعتبرة التي تنزل منزلة الضرورة. أما إذا كان المريض قادرًا على تحمل التكلفة
الزائدة بلا مشقة بالغة ولا إجحاف بماله الضروري، فيلزمه العدول إلى البديل الطاهر
خروجًا من الخلاف وإبعادًا للنجاسة عن بدنه.
وتفصيلاً:
أولاً:
آراء العلماء قديمًا في التداوي بالمحرم والنجس:
ذهب
جمهور الفقهاء الحنفية، والمالكية في قول، والشافعية في الأصح، والحنابلة إلى جواز
التداوي بالمحرم أو النجس عند عدم وجود البديل الطاهر المباح، إذا أُخبر الثقة من
الأطباء بأن في استخدامه شفاءً ولا يغني عنه غيره.
قال
الإمام النووي رحمه الله في المجموع شرح المهذب: "يجوز التداوي بالمحرم إذا
لم يجد مباحًا يقوم مقامه؛ لأن مقاصد حفظ النفوس معتبرة ومقدمة على غيرها عند
التعارض". وقال ابن قدامة في المغني: "وكل ما حرم أكله والانتفاع به؛ لا
يجوز التداوي به، إلا ما نص أحمد على جوازه كالخمر والعذرة، أو ما نص الشارع عليه،
أو ما يقاس عليه عند الضرورة وعدم غيره".
ثانيًا:
قرارات المجامع الفقهية المعاصرة بشأن صمامات القلب:
نُوقشت
هذه النوازل مطولاً في ندوات ومؤتمرات مجمع الفقه الإسلامي الدولي، وهيئة كبار
العلماء، والمجامع الطبية الفقهية.
جاء
في قرار بشأن المواد الإضافية والأدوية وصمامات القلب: «صمامات القلب: الصمامات
البديلة إما أن تكون معدنية أو حيوية بشرية أو حيوانية يجوز استخدامها، أما الصمام
المأخوذ من الخنزير فلا يجوز استخدامه إلا في حال الضرورة وعدم وجود البديل
المباح».
تكييف
العجز المالي والتكلفة المبالغ بها لدى المعاصرين: قرر المعاصرون
من لجان الفتوى كدار الإفتاء المصرية، والمجلس الأوروبي للإفتاء والبحوث، والمجلس
الإسلامي للإفتاء أن "العجز المالي الباهظ" الذي يعجز فيه المريض عن
توفير البديل الطاهر يُعتبر من باب الحاجة العامة التي تنزل منزلة الضرورة الخاصة
بالمكلف؛ لأن إلزام الفقير بما لا يطيق من الأموال الباهظة لإيجاد البديل الطاهر
يؤدي إلى هلاكه أو تدمير حياته الأسرية والمعيشية، والمشقة تجلب التيسير.
القواعد
الفقهية الحاكمة في استخدام مشتقات الخنزير لارتفاع تكلفة البدائل الحلال:
قاعدة
«الضرورات تبيح المحظورات»: وبها يُرخص في زراعة الصمام الخنزيري أو
النجس عند انعدام البديل أو تعذره.
قاعدة
«الضرورة تقدّر بقدرها»: وبها يُقيد الحكم؛ فإذا وجد البديل
الطاهر وكان المريض قادرًا عليه دون مشقة فاحشة زالت الرخصة ووجب الانتقال للطاهر،
وإذا عجز ماديًّا وبقي البديل الخنزيري هو المتاح، بقي الجواز بحسب الحاجة
المعتبرة.
قاعدة
«الحاجة تنزل منزلة الضرورة، عامة كانت أو خاصة»: وتُطبق على من
تسببت التكلفة الباهظة في إعجازه عن البديل الطاهر، حيث تُعتبر العجزة المالية
حاجة تنزل منزلة الضرورة.
قاعدة
«تحمل الضرر الخاص لدفع الضرر العام أو الأشد»: فحفظ النفس
البشرية من الهلاك أو العطب مقدم على اجتناب ملابسة النجاسة غير المتناولة بالأكل
المعتاد، لا سيما وأنها زراعة داخلية للضرورة العلاجية. والله تعالى أعلى
وأعلم.
روابط
ذات صلة:
الاستحالة والاستهلاك وأثرهما على الأطعمة والأدوية