هل تعتد الشريعة بـ "الإشارة المفهومة" من الأصم والأبكم في العقود المؤثرة كالنكاح والطلاق والبيوع؟ وهل يُكتفى بالإشارة بديلًا عن التوكيل أو الكتابة في الشهادات القضائية؟
الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده،
وبعد:
فأهلاً وسهلاً ومرحبًا بك أخي الكريم، وإن من
أخص خصائص الشريعة الإسلامية التي مكنتها من مسايرة الزمان والمكان الشمول
والمرونة، وقد أحاطت بدورها ذوي الأعذار بعناية فائقة تحفظ حقوقهم وتيسر انخراطهم
في الحياة الاجتماعية، ولما كان النطق هو الأصل في التعبير عن الإرادة، أقام
الشارع الحكيم "الإشارة المفهومة" و"الكتابة المستبينة" من
فاقد النطق الأصم والأبكم مقام العبارة اللفظية في كثير من التصرفات؛ رفعًا للحرج.
وتفرق الشريعة بحكمة بين "العقود والإنشاءات" التي يكون مبناها على
التيسير، وبين "الشهادة في الحدود" التي تُبنى على الاحتياط وتدرأ
بالشبهات.
اختصارًا: تعتد
الشريعة بـ "الإشارة المفهومة والمعهودة" من الأبكم والأخرس، وتُجريها
مجرى النطق في إبرام العقود المؤثرة كالبيع والنكاح والطلاق، وذلك بإجماع المذاهب
الفقهية متى دلت قطعًا على الرضا والقصد، ولا يُلزم الأبكم بالتوكيل ما دامت
إشارته تقوم مقام عبارته.
أما
في "الشهادات القضائية"، فلا يُكتفى بالإشارة وحدها عند جمهور الفقهاء
كالحنفية والحنابلة لوجود شائبة الاحتمال والشك، ويُشترط لقبول شهادة الأخرس أن
يؤديها كتابة إن كان يُحسنها. ولا مدخل للتوكيل في أداء الشهادة ابتداءً؛ لأن
الشهادة لا تقبل النيابة في التحمل والأداء.
وتفصيلاً:
في
العقود والتصرفات البيع، النكاح، الطلاق:
نصت
"الموسوعة الفقهية الكويتية" المعاصرة على "اتفاق الفقهاء على أن
إشارة الأخرس المعهودة والمفهومة معتبرة شرعًا، فينعقد بها جميع العقود، كالبيع،
والإجارة، والرهن والنكاح".
مذهب
الشافعية: يُعتمد على الإشارة التي لا يختص بها الفطن بل يفهمها العوام. قال الخطيب الشربيني
في "مغني المحتاج": "أما ما يختص بها الفطن فإنه لا ينعقد بها
لأنها كناية، وفي المجموع في كتاب البيع أنه ينعقد نكاح الأخرس بالكتابة بلا
خلاف".
موقف
الحنابلة والحنفية: اعتبروا إشارة الأخرس في النكاح والطلاق
والبيع وسائر التصرفات متى كانت مفهومة، وقرروا أنه يباشر عقوده بنفسه وتُنزّل
إشارته منزلة النطق، فلا يُشترط العجز عن التوكيل لصحة تصرفه.
في
الشهادات والأقضية:
مذهب
الحنابلة والحنفية: مُنعت الشهادة بالإشارة لغلبة جانب
الاحتياط. جاء في متن "زاد المستقنع" للحجاوي في الفقه الحنبلي في شروط
الشاهد: "الكلام، فلا تقبل شهادة الأخرس ولو فُهمت إشارته، إلا إذا أدّاها
بخطّه".
وفصّل
العلامة ابن عثيمين في "الشرح الممتع" مراتب الأخرس مبينًا أن من لا
تُفهم إشارته ولا كتابته لا تُقبل شهادته للشك، ومن يُعرف خطه ويؤدي الشهادة بخطه
تُقبل لليقين، ومن تُفهم إشارته فالمشهور من المذهب عدم القبول؛ لأن الخط وحده هو
ما يفيد اليقين القاطع في باب القضاء.
وأجاز
المالكية شهادة الأخرس المقطوع بصدقه إذا كانت إشارته مفهومة للقاضي بلا لبس، غير
أن الفتوى المعاصرة تقدم "الكتابة" لرفع أي اشتباه في الدلالة.
القواعد الفقهية الحاكمة في لغة الإشارة
في العقود والحدود:
"الإشارات
المعهودة للأخرس كالبيان باللسان": العمدة في الباب،
ومفادها تنزيل إرادة الأخرس المحصورة في إشارته المفهومة منزلة النطق الصريح في
ترتيب الآثار الشرعية والقانونية.
"الكتاب
كالخطاب": تعمل هذه القاعدة لتفضيل الكتابة المستبينة على
الإشارة في باب الشهادات والإقرارات القضائية التي تتطلب أقصى درجات التوثيق
واليقين.
"لا
حجة مع الاحتمال الناشئ عن دليل": استند إليها
الفقهاء المانعون لقبول الإشارة في الشهادات والحدود؛ لأن الإشارة الحركية يتطرق
إليها التأويل أو الخطأ في الفهم، والأقضية تُبنى على الجزم وتُدرأ بالشبهات. والله
تعالى أعلى وأعلم.
روابط
ذات صلة:
توثيق عقود النكاح بين الندب والوجوب