كيف أعد برنامجًا دعويًّا وتربويًّا لإعادة تأهيل النزلاء داخل السجون؟

<p class="MsoNormal" dir="RTL" style="margin-bottom:0cm;text-align:justify; line-height:normal;direction:rtl;unicode-bidi:embed"><span lang="AR-SA" style="font-size:16.0pt;font-family:&quot;Simplified Arabic&quot;,serif">السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، أنا داعية ومرشد ديني أعمل منذ عامين في تقديم البرامج الدعوية والتربوية داخل إحدى "المؤسسات العقابية والإصلاحية" (السجون). أتعامل مع شريحة خاصة جدًّا من المدعوين تضم نزلاء ومحكومين في قضايا متنوعة (كالسرقة، والتعاطي، والاعتداء، والجرائم المالية)</span><span dir="LTR"></span><span dir="LTR"></span><span dir="LTR" style="font-size:16.0pt;font-family:&quot;Simplified Arabic&quot;,serif"><span dir="LTR"></span><span dir="LTR"></span>.<o:p></o:p></span></p> <p class="MsoNormal" dir="RTL" style="margin-bottom:0cm;text-align:justify; line-height:normal;direction:rtl;unicode-bidi:embed"><span lang="AR-SA" style="font-size:16.0pt;font-family:&quot;Simplified Arabic&quot;,serif">أجد صعوبة كبيرة في اختراق الجدار النفسي والشعوري الهائل الذي يضعه النزيل حول نفسه؛ حيث يعاني معظمهم من مشاعر قاسية تتراوح بين اليأس من رحمة الله، والسخط على المجتمع، والشعور بالوصمة الأبدية التي تجعلهم يفكرون في العودة للجريمة فور خروجهم. كما أن الأسلوب الوعظي المباشر الذي يركز على "الترهيب وتذكيرهم بالذنوب" يزدهم قسوة وإعراضاً</span><span dir="LTR"></span><span dir="LTR"></span><span dir="LTR" style="font-size:16.0pt;font-family:&quot;Simplified Arabic&quot;,serif"><span dir="LTR"></span><span dir="LTR"></span>.<o:p></o:p></span></p> <p class="MsoNormal" dir="RTL" style="margin-bottom:0cm;text-align:justify; line-height:normal;direction:rtl;unicode-bidi:embed"><span lang="AR-SA" style="font-size:16.0pt;font-family:&quot;Simplified Arabic&quot;,serif">كيف أستطيع كداعية ومصلح أن أبني "برنامجاً دعويًّا وتربويًّا مؤثرًا" لإنقاذ وإعادة تأهيل النزلاء داخل السجون؟ وما هي الخطة الإيمانية والنفسية التي تحول فترة العقوبة من "محطة للهدم والانتقام" إلى "فرصة للتوبة الحقيقية والانطلاق النظيف"؟</span><span dir="LTR" style="font-size:16.0pt;font-family: &quot;Simplified Arabic&quot;,serif"><o:p></o:p></span></p>

وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته، حياك الله أخي الفاضل، وأعظم الله أجرك وأجزلك الثواب على عملك العظيم في واحدة من أصعب وثغور الدعوة وأكثرها رحمة.

 

ثم إن العمل الدعوي داخل المؤسسات العقابية هو تطبيق حي للمقصد الشرعي من "التوبة والإصلاح واستنقاذ الغارقين". فالنزيل إنسان زلّت به القدم أو أحاطت به الظروف والنزغات، ومهمة الداعية ليست ممارسة دور "القاضي أو السجان"، بل دور "المداوي الطبيب" الذي يضمّد الجراح ويغرس الأمل.

 

ولبناء منهج تربوي ودعوي متكامل لإصلاح النزلاء، نوصي بالمحاور الميدانية التالية:

 

أولاً: بناء (جسر الأمان ونزع وصمة اليأس):

 

الخطوة الأولى والأساسية هي تفكيك اليأس من نفوس النزلاء:

 

1. فتح باب التوبة الشاملة الرحيبة: التركيز المكثف على الآيات والأحاديث التي تبرز سعة رحمة الله وقبوله للتائبين مهما عظمت ذنوبهم. قال تعالى: ﴿قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَىٰ أَنفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِن رَّحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾.

 

2. إحياء أصل (التوبة تبدّل السيئات حسنات): بيّن لهم الفقه القرآني العظيم في سورة الفرقان: ﴿إِلَّا مَن تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا فَأُولَٰئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ﴾ طمأنهم بأن هذه المحنة والسجن قد تكون هي أعظم نعمة اختارها الله لهم ليقطع عنهم طريق الهلاك ويفتح لهم صفحة جديدة ناصية البياض.

 

ثانيًا: المنهج التأهيلي التراكمي (البناء المعرفي والسلوكي):

 

1. تحويل العزلة إلى "ملاذ لتدبر القرآن والحفظ": تشجيع النزلاء على حفظ القرآن الكريم أو أجزاء منه وتدارس معانيه؛ فإن القرآن يملك قوة عجيبة في تطهير النفوس الجلفة وإحياء القلوب الميتة.

 

2. تدريس فقه المعاملات والأخلاق العملية: تقديم دروس مبسطة في الأخلاق النبوية، وضبط الغضب، وحرمة أموال الناس وأعراضهم، والصدق، وتبيان المخرج الشرعي للمشكلات المالية والاجتماعية التي دفعتهم للجريمة.

 

3. التمهيد للاندماج المهني والاجتماعي: الشراكة مع إدارة السجن لتقديم دورات حرفية ومهنية (كالكهرباء، النجارة، البرمجة) مقترنة بالتربية الإيمانية، ليستشعر النزيل قدرته على العيش الشريف فور الإفراج عنه.

 

ثالثًا: الرعاية الممتدة بعد الإفراج:

 

إن خطورة الانتكاسة تعود غالباً لما بعد الخروج من السجن بسبب رفض المجتمع؛ لذا ينبغي:

 

1. بناء شبكات الدعم والاحتضان: الربط بين النزيل الصالح بعد خروجه وبين الجمعيات الدعوية والخيرية لمساعدته في الحصول على عمل شريف، وتوفير بيئة اجتماعية صالحة تحتضنه.

 

2. توعية المجتمع والأسرة: تقديم خطب ومحاضرات عامة تحثّ المجتمع والأسر على قبول التائبين وعدم ملاحقتهم بنظرات التشويه والوصمة التي تدفعهم للعودة للجريمة.

 

وأنصحك ختامًا بالآتي:

 

• الإنصات الصادق والسرية التامة: كن مستمعًا صبورًا لآلامهم دون إصدار أحكام، واحفظ أسرارهم بحزم لتبني ثقة عميقة معهم.

 

• الهدايا المادية والمعنوية: استثمر الهدايا المباحة (كالكتب الشائقة، والكتيبات) لتأليف القلوب؛ فإن النبي ﷺ قال: (تَهَادَوْا تَحَابُّوا).

 

• الإلحاح بالدعاء لهم بالصلاح: سل الله دائمًا في خلواتك أن يشرح صدور هؤلاء النزلاء، وأن يجعل عملك سببًا في عودتهم أعضاء صالحين نافعين للأمة.

 

وأسأل الله عز وجل أن يبارك في جهودك المباركة، وأن يجعل على يديك نجاة هؤلاء النزلاء، وأن يكتب لك أجر كل من تاب واستقام بسبب توجيهك وصبرك.

 

روابط ذات صلة:

غياب المنهجية المؤسسية في دعوة نزلاء المستشفيات

كيف نطور مهارات الدعاة بالمؤسسات الإصلاحية؟

كيف نعد برنامج رعاية وتأهيل للسجناء المفرج عنهم؟