<p> السلام عليكم ورحمة الله وبركاته</p><p>متى يجب على المرأة الحائض أن تتفقد الطهر لتؤدي الصلاة المكتوبة؟</p><p>هل مرة واحدة في اليوم؟ أم مع وقت كل صلاة؟ أرجو عرض المذاهب الفقهية في هذه المسألة<br><br></p>
الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده،
وبعد:
فأهلاً وسهلاً ومرحبًا بك أختي الكريمة، الصلاة
هي الركن الأعظم من أركان الإسلام، وقد أوجبها الله تعالى في أوقات محددة، قال
تعالى: ﴿إِنَّ الصَّلَاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَوْقُوتًا﴾.
والحيض مانع شرعي يسقط وجوب الصلاة أداءً، فإذا زال هذا المانع بانقطاع الدم وحصول
الطهر عاد الوجوب فورًا، ولزم المرأة المبادرة بالاغتسال لأداء الصلاة في وقتها.
ولمّا
كان الطهر يتحقق بإحدى علامتين: "القصة البيضاء" سائل أبيض يخرج في
نهاية الحيض أو "الجفاف التام"، فقد اعتنى الفقهاء ببيان متى يجب على
المرأة أن تتفقد نفسها للتحقق من حصول الطهر، وذلك موازنةً بين وجوب المحافظة على
الصلاة في وقتها، وبين رفع الحرج والمشقة وتجنب الوسوسة.
اختصارًا:
لا
يكفي أن تتفقد المرأة الحائض طهرها مرة واحدة في اليوم، بل يجب عليها أن تتفقد
نفسها عند دخول أوقات الصلوات المكتوبة، وكذلك قبل أن تنام، وعند استيقاظها؛ وذلك
متى ما قاربت عادتها على الانتهاء أو خفّ الدم وتوقعت الطهر. أما في أيام ذروة
الحيض وغزارة الدم فلا يلزمها كثرة التفقد. ويكون التفقد بإدخال قطنة ونحوها برفق،
فإذا خرجت نقية أو بها القصة البيضاء فقد طهرت. ويُنهى شرعًا عن التنطع والمبالغة
في التفقد كل ساعة أو الاستيقاظ في جوف الليل لذلك، دفعًا للمشقة والوسوسة.
وتفصيلاً:
أولاً:
آراء العلماء قديمًا في أوقات تفقد المرأة طهرها من الحيض
نصّ
فقهاء المذاهب، وبخاصة المالكية الذين فصّلوا في هذه المسألة بدقة، على أن التفقد
يكون عند أوقات الصلوات وعند النوم:
المذهب
المالكي: قال الإمام الحطاب الرعيني في كتابه "مواهب الجليل في شرح مختصر خليل":
«وتتفقد المرأة طهرها عند أوقات الصلاة وعند النوم... ولا يلزمها ذلك بالليل، بل
عند النوم وعند أوقات الصلوات». وقال الإمام الدسوقي في حاشيته: «قوله: وتتفقد
حائض طهرها أي يجب عليها أن تختبر نفسها هل طهرت أم لا، لتعلم هل وجبت عليها
الصلاة أم لا؟ ويكون ذلك التفقد عند النوم ليلاً، وعند أوقات الصلوات، ولا يجب
عليها أن تتفقد نفسها في أوقات غير الصلاة، ولا يجب عليها أن تستيقظ بالليل لتفقد
نفسها».
المذهب
الشافعي: نصّ الإمام النووي في "المجموع شرح المهذب" على أن الصلاة تجب بمجرد
انقطاع الدم، فقال: «إذا انقطع دم الحائض والنفساء... وجب عليها الغسل والصلاة».
وهذا يقتضي لزومًا أن تكون المرأة على دراية بانقطاع دمها عند دخول أوقات الصلاة
حتى لا يخرج الوقت وهي طاهر دون أن تصلي.
المذهب
الحنبلي: قال الإمام ابن قدامة في "المغني": «ومتى رأت الطهر، اغتسلت، وصلت...
وتعرف المرأة انقطاع الدم، بخروج القصة البيضاء،... أو الجفاف». ومقتضى كلامه وجوب
المبادرة متى رأت الطهر، وهو ما يستلزم التفقد المعتاد أوقات الصلوات لمن دنا
طهرها.
ثانيًا:
آراء العلماء المعاصرين في أوقات تفقد المرأة طهرها من الحيض
الشيخ
محمد بن صالح العثيمين رحمه الله: سُئل عن تكرار تفقد المرأة
لنفسها، فأجاب: «المرأة لا يلزمها أن تتفقد نفسها في كل وقت، ولكن عند أوقات
الصلوات، إذا جاء وقت الصلاة تتفقد نفسها هل طهرت أم لا؟ أما أن تبقى دائمًا تتفقد
نفسها كل ساعة أو نصف ساعة فهذا من التنطع ومن الوسواس الذي لا ينبغي».
اللجنة
الدائمة للإفتاء بالسعودية ودار الإفتاء المصرية: تتفق الفتاوى
المعاصرة الصادرة عنهما على أن المرأة المعتادة يجب عليها إذا اقترب موعد طهرها في
آخر أيام عادتها أن تختبر نفسها بقطنة عند دخول كل صلاة مفروضة، لضمان عدم خروج
وقت الصلاة عليها وهي طاهر، مع النهي عن المبالغة المؤدية للوسواس.
القواعد
الفقهية الحاكمة في أوقات تفقد المرأة طهرها من الحيض:
قاعدة
"ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب": أداء الصلاة
المكتوبة في وقتها واجب شرعي، ومعرفة دخول الطهر شرط للتمكن من أداء هذا الواجب؛
لذا فإن تفقد الطهر عند دخول وقت الصلاة لمن قاربت طهرها يصبح واجبًا بناءً على
هذه القاعدة.
قاعدة
"اليقين لا يزول بالشك": اليقين هنا هو بقاء الحيض لمن هي
في أيام حيضها، فلا يزول هذا اليقين إلا بيقين مثله وهو رؤية الجفاف أو القصة
البيضاء. وللوصول إلى هذا اليقين المتجدد، وجب التفقد المنضبط بأوقات الصلاة.
قاعدة
"المشقة تجلب التيسير": إن إيجاب تفقد الطهر في كل ساعة
أو إيقاظ المرأة من نومها في جوف الليل للبحث عن الطهر فيه مشقة بالغة وعنت؛ ولذلك
يسّر الشرع واكتفى بالتفقد عند أوقات الصلوات المفروضة وعند إرادة النوم فقط.
قاعدة
"دفع الحرج": الشريعة مبنية على التيسير ورفع الحرج،
لذا نهى العلماء عن التنطع وكثرة التفقد في الأيام الأولى للحيض التي يغلب على
الظن استمرار تدفق الدم فيها، وقصروا الوجوب على الأيام التي يُتوقع فيها
الانقطاع. والله تعالى أعلى وأعلم.
روابط
ذات صلة:
جاءها الحيض بعد 15 يومًا من الطهر.. فهل هو استحاضة؟