<p class="MsoNormal" dir="RTL" style="margin-bottom:0cm;text-align:justify; line-height:normal;direction:rtl;unicode-bidi:embed"><span lang="AR-SA" style="font-size:16.0pt;font-family:"Simplified Arabic",serif">السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، أنا فتاة مسلمة أعيش منذ سنوات في إحدى الدول الغربية، وأدرس في الجامعة، وأتعامل يوميًّا مع زملاء من ديانات وثقافات متعددة. في السنوات الأولى كنت أتعامل مع الأمر ببساطة، وأمارس شعائري الدينية دون أن أفكر كثيرًا في مسألة الهوية، لكن مع مرور الوقت بدأت أشعر بأنني أعيش بين عالمين؛ عالم الأسرة الذي يتحدث العربية ويعيش الإسلام بصورة مألوفة، وعالم الجامعة والمجتمع الذي له قيم وعادات وطريقة تفكير مختلفة</span><span dir="LTR"></span><span dir="LTR"></span><span dir="LTR" style="font-size:16.0pt;font-family:"Simplified Arabic",serif; mso-bidi-language:AR-EG"><span dir="LTR"></span><span dir="LTR"></span>.<o:p></o:p></span></p> <p class="MsoNormal" dir="RTL" style="margin-bottom:0cm;text-align:justify; line-height:normal;direction:rtl;unicode-bidi:embed"><span lang="AR-SA" style="font-size:16.0pt;font-family:"Simplified Arabic",serif">المشكلة أن بعض زميلاتي يسألنني أسئلة كثيرة عن الإسلام، وبعضها أسئلة صعبة، مثل: لماذا تصومين؟ لماذا تصلين؟ لماذا ترتدين الحجاب؟ لماذا توجد أحكام معينة في الإسلام؟ وأحيانًا يسألنني عن قضايا المرأة والحريات والعلاقات الاجتماعية، ولا أعرف كيف أجيب إجابة تجمع بين الاعتزاز بديني وعدم الدخول في صدام</span><span dir="LTR"></span><span dir="LTR"></span><span dir="LTR" style="font-size:16.0pt;font-family:"Simplified Arabic",serif; mso-bidi-language:AR-EG"><span dir="LTR"></span><span dir="LTR"></span>.<o:p></o:p></span></p> <p class="MsoNormal" dir="RTL" style="margin-bottom:0cm;text-align:justify; line-height:normal;direction:rtl;unicode-bidi:embed"><span lang="AR-SA" style="font-size:16.0pt;font-family:"Simplified Arabic",serif">وفي المقابل، هناك بعض المسلمين الذين أعرفهم هنا وقد أصبحوا يتجنبون الحديث عن الإسلام تمامًا، وكأنهم يخافون أن يُتهموا بالتعصب، بينما يوجد آخرون يتعاملون مع المجتمع بصورة صدامية، فيقولون إن كل ما في المجتمع الغربي فاسد، ويغلقون أنفسهم عن الآخرين</span><span dir="LTR"></span><span dir="LTR"></span><span dir="LTR" style="font-size:16.0pt; font-family:"Simplified Arabic",serif;mso-bidi-language:AR-EG"><span dir="LTR"></span><span dir="LTR"></span>.<o:p></o:p></span></p> <p class="MsoNormal" dir="RTL" style="margin-bottom:0cm;text-align:justify; line-height:normal;direction:rtl;unicode-bidi:embed"><span lang="AR-SA" style="font-size:16.0pt;font-family:"Simplified Arabic",serif">وأنا لا أريد أن أكون في أحد الطرفين. أريد أن أعيش إسلامي بثبات، وأن أحافظ على هويتي، وأن أكون في الوقت نفسه إنسانة إيجابية، محترمة، منفتحة على الناس، قادرة على الحوار، بل وأن أستطيع أن أعرّف غير المسلمين بالإسلام بطريقة تجعلهم يفهمون حقيقته دون أن أشعر أنني في معركة دائمة معهم. فكيف يمكنني أن أفعل ذلك عمليًّا؟</span><span dir="LTR" style="font-size:16.0pt;font-family:"Simplified Arabic",serif; mso-bidi-language:AR-EG"><o:p></o:p></span></p>
وعليكم السلام
ورحمة الله وبركاته، حياك الله ابنتي الكريمة، وثبّتك الله على دينك، وجعلك صورة
جميلة للإسلام في المكان الذي تعيشين فيه.
وما تعيشينه ليس
مشكلة خاصة بك، بل هو من أهم تحديات الدعوة المعاصرة؛ لأن المسلم في المهجر لا
يعيش فقط اختبار المحافظة على الشعائر، وإنما يعيش اختبار القدرة على الجمع بين
الثبات على الأصول وحسن التعامل مع واقع متعدد الثقافات.
وأول ما ينبغي أن
تستقري عليه أن الإسلام لا يطلب من المسلم أن يختفي من المجتمع حتى يحافظ على
دينه، كما أنه لا يطلب منه أن يذوب في المجتمع حتى يكون مقبولًا. وإنما يربيه على
الثبات مع حسن التعامل. قال تعالى: ﴿يَا
أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَدَاءَ بِالْقِسْطِ﴾ [المائدة: 8]، وقال سبحانه: ﴿لَا
يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ
يُخْرِجُوكُم مِّن دِيَارِكُمْ أَن تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ﴾؛ فالبر
والقسط وحسن التعامل مع غير المسلمين ليس تنازلًا عن الدين، بل هو من أخلاق
الإسلام. وفي الوقت نفسه فإن حسن التعامل لا يعني أن يتنازل المسلم عن عقيدته أو
عباداته أو أحكامه الثابتة من أجل إرضاء الآخرين.
ومن الناحية
العملية، أنصحك بأن تنتقلي من مرحلة «الدفاع عن الإسلام» إلى مرحلة «التعريف
بالإسلام». هناك فرق كبير بين أن تكوني في كل حوار منشغلة بإثبات أن الإسلام ليس
مخطئًا، وبين أن تقدمي الإسلام باعتباره منظومة متكاملة للإيمان بالله والإنسان
والأخلاق والرحمة والمسؤولية.
وعندما تسألك
زميلتك: «لماذا تصومين؟» لا تجيبيها بمجرد حكم فقهي، بل اشرحي لها المعنى الإنساني
للصيام: أن الإنسان يستطيع أن يقول «لا» لرغبة مباحة حتى يتعلم أن يقول «لا» لرغبة
محرمة، وأن الصيام مدرسة في الإرادة والإحساس بالفقراء والارتباط بالله. وعندما
تسألك عن الصلاة، تحدثي عن كونها إعادة ترتيب للعلاقة بالله خلال اليوم.
وعندما تسألك عن
الحجاب، لا تجعلي الحوار يتحول إلى معركة حول قطعة قماش، وإنما تحدثي عن مفهوم
العبادة والاحتشام والخصوصية والاختيار والمسؤولية.
وإذا واجهت
سؤالًا لا تعرفين إجابته، فلا تشعري بالحرج. قولي بكل ثقة: «هذا سؤال مهم، ولا
أريد أن أعطيك إجابة غير دقيقة، دعيني أبحث وأسألك بعد ذلك». هذه العبارة في حد
ذاتها صورة راقية من الأمانة العلمية.
وقد أرشد القرآن
إلى أن الحوار لا يكون بالصوت المرتفع ولا بالتشنج، فقال تعالى: ﴿ادْعُ إِلَىٰ سَبِيلِ رَبِّكَ
بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُم بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾،
والحكمة هنا ليست مجرد امتلاك المعلومة، وإنما معرفة متى تتحدثين، وماذا تقولين،
وكيف تقولينه، وما الذي يناسب الشخص الذي أمامك.
واجعلي حياتك
نفسها جزءًا من الدعوة. كوني الطالبة التي تحترم الوقت، والموظفة التي تؤدي عملها
بأمانة، والزميلة التي تساعد الآخرين، والإنسانة التي لا تكذب ولا تغش ولا تؤذي.
قال ﷺ: إنما
بعثت لأتمم صالح الأخلاق، وقد ورد الحديث بألفاظ متعددة، ومن
أشهرها رواية الإمام أحمد في المسند، وحسنه جماعة من أهل العلم.
ولا تستهيني بأثر
العلاقات الإنسانية. قد لا تستمع زميلتك إلى محاضرة كاملة عن الإسلام، لكنها قد
ترى منك الصدق والأمانة والرحمة، ثم تسألك يومًا: «ما الذي يجعلك هكذا؟» وهنا تبدأ
الدعوة الحقيقية.
وفي الوقت نفسه،
احذري من الطرف الآخر؛ فلا تجعلي الرغبة في الاندماج تتحول إلى ذوبان. احتفظي
بصلتك بالقرآن، وصلاتك، ولغتك العربية، والأسرة المسلمة، والمناسبات الدينية،
والصحبة الصالحة. الهوية لا تُحفظ بالشعارات وإنما بالممارسة اليومية. وإذا كنت
تعيشين في بيئة لا تساعدك على بعض العبادات، فابحثي عن مسجد أو مركز إسلامي موثوق،
وشاركي في نشاط نسائي أو شبابي معتدل، بحيث لا تكون علاقتك بالإسلام فردية منعزلة.
ويمكنك أن تصنعي
لنفسك «مشروع دعوة شخصي» صغيرًا: تعلّمي كل شهر موضوعًا واحدًا عن الإسلام يمكن
شرحه لغير المسلمين بلغة بسيطة؛ مثل مفهوم التوحيد، أو معنى الصلاة، أو مكانة
المرأة، أو مفهوم الرحمة، أو الأخلاق، أو القرآن. واجمعي الأسئلة التي يطرحها
الناس عليك، ثم ابحثي عن أجوبتها من مصادر علمية موثوقة. ومع الوقت ستجدين أن
أسئلتهم نفسها تحولت إلى مادة تثقيفية لك.
ولا تنسي أن
الدعوة في المهجر تحتاج إلى فقه الواقع أكثر من حاجتها إلى كثرة الكلام. فالناس
هناك ليسوا نسخة واحدة؛ فيهم المتدين، والملحد، والمسيحي، واليهودي، والباحث،
والفضولي، والمتألم من تجربة دينية سابقة. فلا تتعاملي مع الجميع بطريقة واحدة.
وأنصحك ختامًا
بالآتي:
احفظي دينك دون
انغلاق، وانفتحي على الناس دون ذوبان، وتعلمي قبل أن تتصدري للإجابة، واستمعي قبل
أن تتكلمي، واجعلي أخلاقك جزءًا من دعوتك، واحرصي على صحبة مسلمة متوازنة، وابني
جسورًا مع المجتمع من خلال العمل التطوعي والخدمة العامة والمبادرات الإنسانية.
وأسأل الله أن
يحفظ عليك دينك وقلبك وهويتك، وأن يجعلك سفيرة خير للإسلام حيث كنت، وأن يفتح على
يديك قلوبًا للحق، وأن يرزقك الحكمة في القول والعمل، وأن يجمع لك بين الثبات
والرحمة، وبين الأصالة وحسن التعامل مع العصر.
روابط ذات صلة:
كيف يقدم الداعية برنامجًا يواجه تحديات بيئة المهجر؟
التوازن بين الانفتاح القيمي والهوية الإسلامية في الغرب