ما الضوابط الشرعية لمنع استخدام خوارزميات التوصية التي تدفع المستخدمين نحو المحتوى المتطرف أو الإباحي بناءً على نقاط الضعف النفسية؟
الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده،
وبعد:
فأهلاً وسهلاً ومرحبًا بك أخي الكريم، وقد جاءت الشريعة الإسلامية لتحصيل المصالح ودرء المفاسد، وحفظ العقول والنفوس والأعراض والأديان.
وفي العصر الحديث، أفرز التطور التقني الهائل خوارزميات تُستخدم أحيانًا بطرق
خبيثة لاستغلال نقاط الضعف النفسية للمستخدمين، وتغذيتهم بمحتويات متطرفة أو
إباحية مدمرة، مما يستدعي بيان الحكم الشرعي والضوابط الحاكمة لهذه الممارسات.
اختصارًا:
يحرم
شرعًا تصميم أو تطوير أو توجيه برمجيات لدفع المستخدمين نحو المحتوى الإباحي أو
المتطرف عبر استغلال نقاط ضعفهم النفسية؛ لأن ذلك يُعد من باب التعاون على الإثم
والعدوان، وإشاعة الفاحشة، وإفساد العقول والأخلاق، والترويج للفساد في الأرض. كما
أن هذه الممارسات تشكل جناية مجتمعية ونفسية تستوجب التعزير والمنع شرعًا وقانونًا.
وتفصيلاً:
شرح
مفصل عن هذه المعاملة وهل هي واقعية:
تقوم
خوارزميات التوصية الحديثة المعتمدة على الذكاء الاصطناعي بتحليل سلوك المستخدم،
وتتبع حالته الانفعالية والنفسية (مثل حالات الاكتئاب، أو الوحدة، أو الفضول
المفرط، أو الميل للعنف)، فتقوم باستغلال هذه الثغرات النفسية عبر تقديم محتوى
إدماني مدمر كالمقاطع الإباحية المفرطة أو الفيديوهات المتطرفة المحرضة لزيادة
التفاعل وبقاء المستخدم على المنصة وهذه المعاملة واقعية تمامًا ومثبتة علميًّا
وتقنيًّا، حيث تعترف كبرى شركات التقنية ومن خلال تسريبات وثائقها الداخلية بأن
خوارزمياتها مصممة عمدًا لتغذية التفضيلات المثيرة للجدل أو الضارة لأنها تحقق
أعلى معدلات مشاهدة وتفاعل سلبي.
الملابسات
التي تحرم هذا النوع من التعامل:
يحرم
هذا التعامل قطعًا بناءً على الملابسات والعلل الآتية:
استغلال
الضعف الإنساني: لأنه يمثل احتيالاً نفسيًّا واستهدافًا خبيثًا لمن
يعانون من هشاشة أو اضطرابات نفسية.
إشاعة
الفاحشة والفساد: لكونه يسهم بشكل مباشر في نشر الرذيلة والإباحية
والمحتوى المدمر للمجتمعات.
التحريض
والتخريب: لما يسببه المحتوى المتطرف من غسل للدماغ، وإذكاء للعنف، وإرهاب للآمنين.
الكسب
غير المشروع: لأن الأموال أو المكاسب الإعلانية المترتبة على جذب
المستخدمين عبر هذه الطرق المحرمة هي أموال خبيثة وسحت.
خطورة
المواقع الإباحية حتى على غير المسلمين:
إن
خطورة الإباحية الرقمية لا تقتصر على المسلمين فحسب، بل تمتد لتشمل الإنسانية جميعًا؛
فهي تدمر الهياكل العصبية للدماغ وتسبب الإدمان المرضي المماثل لإدمان المخدرات،
وتؤدي إلى انهيار العلاقات الأسرية والعاطفية، وازدياد معدلات الاكتئاب والعزلة
والانتحار، فضلاً عن تطبيع الجرائم الجنسية واستغلال الضعفاء. ومنظومة الأخلاق
الإنسانية المشتركة وفطرة الله التي فطر الناس عليها تأبى هذا الفساد، بغض النظر
عن الديانة.
القواعد
الفقهية الحاكمة في استغلال آليات الطب النفسي لترويج الإباحية والتطرف:
قاعدة
"لا ضرر ولا ضرار": وهي قاعدة كلية تدل على تحريم كل فعل
يلحق الضرر بالنفس أو العقل أو الأخلاق، والخوارزميات الموجهة نحو الانحراف تلحق
أضرارًا فادحة بالفرد والمجتمع.
قاعدة
"الوسائل لها حكم المقاصد": فالوسيلة
التقنية إذا استخدمت للوصول إلى غاية محرمة كنشر الإباحية والتطرف فهي تأخذ حكم
تلك الغاية في التحريم.
قاعدة
"درء المفاسد مقدم على جلب المصالح": حيث إن المصلحة
المادية المزعومة للشركات من وراء زيادة التفاعل تعارضت مع مفسدة كبرى وهي تدمير
العقول والأخلاق، فتقدم درء المفسدة وجوباً.
قاعدة
"التعاون على البر والتقوى لا على الإثم والعدوان": لقوله تعالى: وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى
الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ [المائدة: 2]، والمبرمجون والمطورون لهذه البرمجيات بطريقة
استغلالية يدخلون في دائرة المعاونين على الإثم. والله تعالى أعلى وأعلم.
روابط
ذات صلة: