كيف نوفِّق بين التحدث بنعمة الله والأمر بالكتمان وعدم التفاخر؟

<p dir="RTL" style="text-align:justify;direction:rtl;unicode-bidi:embed"><span lang="AR-SA" style="font-size:18.0pt;font-family:&quot;Simplified Arabic&quot;,serif">ودّي أستفسر عن المعنى الدقيق والضابط الشرعي لقول الله تعالى: {وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ}؛ لأنّي لاحظت ناس عندهم لَبْس وفهم مشوش في تطبيقها، وأتمنى توضحون لي شلون يفرق المسلم بين إنه يتكلم بنعمة الله شكرًا له وإظهارًا لفضله، وبين إنه يطيح في الفخر والمباهاة وشوفة النفس على الناس؟ وشو الحد الفاصل والضابط القلبي والظاهري بينهم؟<b><o:p></o:p></b></span></p><p dir="RTL" style="text-align:justify;direction:rtl;unicode-bidi:embed"><span lang="AR-SA" style="font-size:18.0pt;font-family:&quot;Simplified Arabic&quot;,serif">وشلون نجمع بين الأمر بالتحديث بالنعمة في هالآية، وبين النصوص الشرعية اللي تحثنا على الكتمان والحذر من العين والحسد، مثل قوله –تعالى- على لسان يعقوب عليه السلام: {لا تَقْصُصْ رُؤْيَاكَ عَلَى إِخْوَتِكَ...}، وما ورد في الأثر من الاستعانة على قضاء الحوائج بالكتمان؟ ومتى يشرع للمسلم يظهر النعمة ومتى يكتمها؟</span><span dir="LTR" style="font-size:18.0pt;font-family:&quot;Simplified Arabic&quot;,serif"><o:p></o:p></span></p><p class="MsoNormal" dir="RTL" style="text-align:justify;direction:rtl;unicode-bidi: embed"> <span lang="AR-SA" dir="RTL" style="font-size:18.0pt;font-family:&quot;Simplified Arabic&quot;,serif; mso-fareast-font-family:&quot;Times New Roman&quot;;mso-ansi-language:EN-US;mso-fareast-language: EN-US;mso-bidi-language:AR-SA">وجزاكم الله خير.</span></p>

مرحبًا بك أخي الكريم، وأشكرك على ثقتك بنا وتواصلك معنا، وعلى حرصك على الفهم الدقيق لآيات كتاب الله وتطبيقها في حياتك. أسأل الله أن ينير قلبك بنور الفهم، وأن يرزقك العلم النافع والعمل الصالح، وأن يجعلك من الشاكرين لنعمه، المعافين من الفخر والمباهاة، المحفوظين من عين كل حاسد، وبعد...

 

فالحديث عن النعم يسير على خيط رفيع بين عبادة جليلة هي «الشكر»، وآفة مهلكة هي الفخر والمباهاة، والوقوع في الاستعراض المحرَّم أو الخوف المرضي من العين والحسد.

 

معنى وضوابط ﴿وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ﴾:

 

إن شريعتنا المطهرة ترسخ التوازن في كل الأمور. وقد جاءت هذه الآية الكريمة ﴿وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ﴾ في ختام سورة الضحى، بعد أن ذكَّر الله نبيه ﷺ بنعمه عليه: الإيواء بعد اليتم، والهدى بعد الضلال، والغنى بعد العيلة.

 

ويرى علماء التفسير أن التحدُّث بالنعمة يشمل أمرين أساسيين:

 

- التحدُّث باللسان: وهو ثناء العبد على ربه، والإقرار بفضله وكرمه، كأن يقول: «نحن في عافية وخير من الله»، أو: «رزقني الله من فضله».

 

- التحدُّث بالحال والجوارح: بإظهار النعمة، بحيث يُرى أثر نعمة الله على العبد، في ملبسه، ومأكله، وإنفاقه، وسلوكه، دون إسراف ولا مخيلة. وفي الحديث الشريف عن النبي ﷺ أنه قال: «إن الله يحب أن يرى أثر نعمته على عبده» [رواه الترمذي].

 

والضابط الشرعي للتحدُّث بالنعمة: هو أن يكون المقصد منه نسبة الفضل لصاحبه (الله عز وجل)، وإظهار الكرم الإلهي، والاعتراف بالعجز عن الشكر، واستعمال هذه النعمة في طاعة الله ونفع عباده.

 

الحد الفاصل بين الشكر والفخر

 

الفرق بين من يتحدث بالنعمة شكرًا ومن يتحدث بها فخرًا ومباهاة، يظهر في منطلقات قلبية، وأمور تتعلق بالتصرفات والسلوك العملي.

 

أولًا: المنطلقات القلبية:

 

1- منطلق الشكر: ينبع من شعور العبد بالافتقار العظيم إلى الله، وأن النعمة تفضُّلٌ محضٌ من الله عز وجل لا يستحقه بجهده الشخصي. ويرافقه الانكسار والتواضع.

 

2- منطلق الفخر والمباهاة: ينبع من العجب بالنفس، ونسبة النعمة إلى الذكاء أو العلم أو الاجتهاد أو الاستحقاق الذاتي.

 

قال الله –تعالى- حكاية عن سليمان عليه السلام عندما رأى عرش بلقيس مستقرًّا عنده: ﴿هَذَا مِنْ فَضْلِ رَبِّي لِيَبْلُوَنِي أَأَشْكُرُ أَمْ أَكْفُرُ﴾ [النمل: 40]؛ فهذا هو مسلك الشاكرين.

 

أما قارون فقال عندما ذُكِّر بنعمة الله: ﴿إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ عِنْدِي﴾ [القصص: 78]؛ فكانت عاقبته أن خسف الله به وبداره الأرض.

 

ثانيًا- الأمور السلوكية والعملية:

 

1- لغة الخطاب وصياغة الكلام: في التحدُّث بالنعمة على سبيل الشكر لله، يركز المتحدث على المُنعم سبحانه وتعالى ونسبة الفضل إليه، كقوله: ﴿هَذَا مِنْ فَضْلِ رَبِّي﴾ [النمل: 40]، ولا يُضخِّم ذاته. أما في الفخر والمباهاة، فيدور الحديث حول «الأنا» ونسبة الإنجاز للنفس، مع كثرة الترديد لعبارات مثل: «أنا عملت»، و«أنا حققت»، و«بجهدي وذكائي فقط».

 

2- مراعاة مشاعر الناس: العبد الشاكر يتخير الوقت والمقام والأشخاص المناسبين للحديث، ويكون هدفه إدخال السرور وبث الأمل وتشجيع غيره. بينما يتصرف المتباهي بأسلوب الاستعراض والتعالي، دون أدنى مراعاة لكسر قلوب الفقراء، أو المحرومين، أو المحتاجين.

 

3- السلوك المصاحب: التحديث بالنعمة على وجه الشكر لله يتبعه بذل وإحسان وسخاء على الآخرين، فيجود العبد مما آتاه الله. أما الفخر والمباهاة، فيقترنان غالبًا إما بالبخل والإمساك عن المحتاجين، وإما بإنفاق الأموال والموارد في معاصي الله والمظاهر الجوفاء للتعالي على الخلق.

 

الجمع بين التحدُّث بالنعمة والحث على الكتمان والحذر من العين

 

قد يتوهم البعض تعارضًا بين الآية وبين ما ورد في الشريعة من الحث على الكتمان، كقول يعقوب ليوسف عليهما السلام: ﴿يَا بُنَيَّ لَا تَقْصُصْ رُؤْيَاكَ عَلَى إِخْوَتِكَ فَيَكِيدُوا لَكَ كَيْدًا﴾ [يوسف: 5]، وما ورد في الأثر الشهير عن النبي ﷺ: «استعينوا على قضاء حوائجكم بالكتمان، فإن كل ذي نعمة محسود» [رواه الطبراني والبيهقي].

 

والجمع بين هذه النصوص يتلخص في ضابطين أساسيين:

 

1- ضابط الزمن: فقبل وقوع النعمة واكتمالها، أي في مرحلة السعي والتخطيط، يُشرع الكتمان والاستعانة به حتى تُقضى الحاجة؛ لأن إظهار المشاريع والأحلام قبل تحققها يفتح باب الحقد والكيد والتعطيل. أما بعد وقوع النعمة واستقرارها، فيشرع التحدُّث والاعتراف بفضل الله، مع مراعاة الحكمة في الطرح بالضوابط المذكورة سابقًا.

 

2- ضابط المتلقي: فليس كل أحد تحدِّثه بالنعمة؛ بل تحدث بها من يحبك، ويحب الخير لك، أو من ترجو أن يقتدي بك في الشكر والعمل الصالح. وتكتمها عن الحاسد، والعدو، ومن تجد في قلبه غلًّا، أو من تعلم أن النعمة تُؤلم قلبه لحرمانه منها.

 

حالات يُشرع فيها إظهار النعمة

 

1- الهداية والتوبة والعلم: لترغيب الناس في الخير ونشر الأمل، كأن يقول الشخص: «الحمد لله الذي هداني لبِر والديَّ» أو «لحفظ القرآن».

 

2- عند الحاجة لدفع تهمة أو بيع وشراء، كأن يُظهر للناس هيئة حسنة تليق بمكانته دون كبر.

 

3- أمام الأهل والأصدقاء المحبين: لتعميم الفرحة وإدخال السرور على قلوبهم.

 

4- في أعمال البر العامة: إذا كان في إظهارها قدوة صالحة تحث الآخرين على التبرع والعطاء، كما قال تعالى: ﴿إِنْ تُبْدُوا الصَّدَقَاتِ فَنِعِمَّا هِيَ﴾ [البقرة: 271].

 

حالات يُشرع فيها كتمان النعمة

 

1- في بداية التخطيط للمشاريع أو الزواج أو الخطوات المستقبلية: تجنبًا لإفسادها قبل تمامها.

 

2- أمام عموم الناس على وسائل التواصل الاجتماعي: حيث يُشاهد المنشور الملايين من أصحاب الظروف المختلفة، مما يسبب كسر القلوب وإثارة نيران الحسد.

 

3- عند وجود شخص يعاني من الحرمان: فلا يجوز التحدث بنعمة الأبناء أمام العقيم، ولا بنعمة المال الوفير أمام المعدم الذي لا يجد قوتًا، وهكذا.

 

اقتراحات لتربية النفس على هذه الضوابط

 

1- اختبار النية قبل الحديث": قبل أن تسرد قصتك أو تعرض صورتك أو تتحدث عن إنجازك، اسأل نفسك بصدق: «لماذا أقول هذا الآن؟ هل لأفرح بفضل الله وأشكره، أم ليراني الناس ويعرفوا قدري؟».

 

2- ضبط لغة الخطاب: عوِّد لسانك على إقران كل نعمة بمشيئة الله وفضله، واستحضر دائمًا قوله تعالى: ﴿وَمَا بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ﴾ [النحل: 53].

 

3- أداء زكاة النعمة: أخرج جزءًا من كل نعمة زكاةً عنها للآخرين؛ فإن كنت أوتيت علمًا فزكاته تعليمه، وإن أوتيت مالًا فزكاته إنفاقه؛ فإن البذل يُطهر القلب من الفخر، ويحمي النعمة من الزوال.

 

4- الاعتدال على وسائل التواصل: تجنب نشر تفاصيل حياتك اليومية (السفر، الهدايا، الطعام الفاخر...)؛ فإن كثيرًا من الناس لا يحملون النوايا الحسنة دائمًا، وفيهم محرومون وحُسَّاد.

 

5- التحصُّن بالأذكار والدعاء: إذا أظهرتَ نعمة لحاجة أو فرح، فاقرنها بالدعاء بالبركة، وقل: «ما شاء الله لا قوة إلا بالله»، وحافظ على أذكار الصباح والمساء وأذكار الأحوال، والورد القرآني، والدعاء، وعوِّذ نفسك وأهلك بالأذكار المأثورة.

 

وختامًا، أسأل الله جل جلاله أن يجعلنا وإياك من عباده الشاكرين الذين إذا أُعطوا شكروا، وإذا ابتُلوا صبروا، وإذا أذنبوا استغفروا. اللهم أوزعنا أن نشكر نعمتك التي أنعمت علينا وعلى والدينا، وأن نعمل صالحًا ترضاه، وأعذنا من الرياء والنفاق وسوء الأخلاق، واحفظنا من حسد الحاسدين وكيد الكائدين، وصلِّ اللهم وسلِّم وبارك على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه وسلِّم.

 

روابط ذات صلة:

كيف نتعامل مع «الملل من النِّعَم» بعد الحصول عليها؟

حزن وفتور وفقدان شغف رغم كثرة النعم.. التفسير والعلاج