هل يؤثر الذكاء الاصطناعي على إنسانيتنا وجودًا وأدوارًا وغاية أم أن تلك الطفرة في الذكاء الاصطناعي ستخضع مستقبلا لإرادة الإنسان بعد فترة الانبهار الخالية؟
أخي
الكريم، إشكال العلاقة بين الإنسان وبين الآلة والتقدم التكنولوجي إشكال قديم، فمع
كل تقدم يثور التساؤل، والقلق هو تأثير ذلك على الإنسان، فنجد مثالاً روائيًّا
إنجليزيًّا هو "صموئيل بتلر" أبدى قلقًا قبل ما يقرب من مائة وخمسين عامًا
تقريبًا، عندما كتب مقالاً بعنوان "داروين بين الآلات" عام 1863م من أن
تشكل الآلات المتقدمة خطرًا وجوديًّا على الإنسان، والتي طورها بعد ذلك بسنوات في
كتابه "الآلات".
ورغم
ذلك فإن ما يشهده الذكاء الاصطناعي من تقدم مذهل هو قلق له مبررات؛ لأن هذا الذكاء
يستقطع الكثير من المجالات الإنسانية لصالحه، كما أن الحديث عن قدرته على تطوير
نفسه ذاتيًّا، لا يعني إلا تهميشًا للإنسان في الكثير من جوانب الحياة.
إن
من ميزات الإنسان التي ينفرد بها ليس القدرة على التفكير فقط، ولكن الإنسان يكاد
يكون الكائن الوحيد القادر على إيجاد معنى لحياته، وهو القادر على البحث عن هذا
المعنى أو الشعور بأزمة في حال فقدانه، لكن مع الطفرة الكبرى والمتواصلة في الذكاء
الاصطناعي أصبح لزامًا على الإنسان أن يبحث عن معنى لحياته بعيدًا عن منطق الآلة
والخوارزميات، حتى لا يتحول إلى كائن هش بلا معنى ولا دور في الحياة.
فقدان
الإنسانية
أخي
الكريم، هناك قلق حقيقي من أن يؤثر الذكاء الاصطناعي على إنسانيتنا، وينظر
البعض إلى الأمر على أنه قلق وجودي، والقلق الوجودي: هو شعور عميق بالخوف، أو
الذعر، أو عدم الارتياح ينشأ عندما يواجه الإنسان حقائق الوجود الكبرى والأسئلة
الجوهرية للحياة، وجزء من مسبباته يرجع إلى الفراغ والشعور بالصدام مع بعض
الحتميات والثوابت في الحياة.
الذكاء
الاصطناعي يطرح قلقًا وجوديًّا، حيث توجد فرضية بأن التقدم الكبير في الذكاء
الاصطناعي العام يمكن أن يؤدي إلى انقراض الإنسان أو كوارث عالمية، مثل خروج هذا
الذكاء عن السيطرة، ليصبح مستقبل الإنسان والبشرية مرتهنًا بقدرات الآلة ومستوى
تطوراتها المذهلة، هذه المخاوف عبّرت عنها الأمم المتحدة حيث تسعى المنظمة الدولية
إلى إنشاء هيئة دولية لتنظيم استخدامه.
وفي
مايو عام 2023م أصدر الرؤساء التنفيذيون للشركات الكبرى في مجال الذكاء الاصطناعي
تحذيرًا من المخاطر التي تشكلها تقنيات الذكاء الاصطناعي على مستقبل البشرية، ونص
التحذير الذي أصدره مركز "سلامة الذكاء الاصطناعي" وهو منظمة غير ربحية
مقرها كاليفورنيا: "يجب أن يكون التخفيف من خطر الانقراض بسبب الذكاء
الاصطناعي أولوية عالمية إلى جانب المخاطر الأخرى على نطاق المجتمع مثل الأوبئة
والحرب النووية"؛ فالمخاوف تتزايد من أن يؤدي عدم التحكم في الذكاء الاصطناعي
إلى كارثة وجودية.
ومن
المخاوف الوجودية خروج الذكاء الاصطناعي عن السيطرة الإنسانية وصعوبة التحكم فيه،
وهناك مخاوف أن يُقاوم الذكاء الاصطناعي أي محاولة إنسانية لتعطيله أو إصلاحه،
خاصة أن دراسات تشير إلى أن الذكاء الاصطناعي يضاعف سرعته وقدراته كل ستة أشهر
تقريبًا، وهو ما يشكل قفزات تفوق القدرة البشرية على السيطرة والتحكم.
كيف
يؤثر الذكاء الاصطناعي على إنسانيتنا؟
أخي
الكريم، يمكن أن يؤثر الذكاء الاصطناعي على إنسانيتنا، من عدة جوانب، منها:
* تآكل التواصل الإنساني: فالآلات التي ينتجها الذكاء الاصطناعي يبدو أنها
ستكون بديلاً عن الإنسان في جانب الصداقات، وستوفر جزءًا مما يحتاجه الإنسان من
حديث وتفاعل، خاصة بعد تقدم البرمجيات الصوتية القادرة على إجراء حوارات متفاعلة
مع البشر، وهذا يجعل الروبوت بديلاً للإنسان في المعايشة والمجالسة والصداقة.
ونشير
هنا إلى دراسة امريكية نشرت في يونيو عام 2024م عن استخدام برامج الدردشة الآلية
للتخفيف عن المرضى، حيث أبدى البعض قلقًا من أن تفقد الرعاية الصحية طابعها
الإنساني مع الذكاء الاصطناعي، خاصة مع وجود اتجاه متزايد في الرعاية الصحية
للاعتماد على برامج الدردشة الآلية، للمساعدة في تخفيف الأعباء الإدارية ومكافحة
الإرهاق عن الأطباء ومساعديهم.
* تراجع التفكير النقدي والابتكار: وقد تحدثنا في استشارة سابقة بعنوان هل
الذكاء الاصطناعي يضعف التفكير النقدي؟ عن القلق من كثافة الاعتماد
الإنساني على الذكاء الاصطناعي وتأثير ذلك على القدرات المختلفة للعقل الإنساني
ومن بينها التفكير النقدي الذي سيتعرض للضمور من قلة الاستخدام في ظل الاعتماد
الكثيف على الآلة.
موضوعات
ذات صلة:
هل يعيد الذكاء الاصطناعي تعريف معنى الحياة؟
هل يخرج الذكاء الاصطناعي عن سيطرة الإنسان؟