كيف تحدثت الفلسفة الأخلاقية الإسلامية عن قيمة الرضا وكيف شيدت علاقة إيجابية بين المفهوم وبين السلوك الإيجابي للمسلم؟
أخي الكريم، في استشارة سابقة بعنوان "كيف تؤثر ظلال السخط السوداء على حياتنا؟" ذكرنا أن غياب الرضا ما هو إلا تعذيب قاس للنفس وإرهاق للبدن وأزمات مرعبة في المجتمع إذا انفلت هذا السخط إلى عالم الجريمة والعنف، غير أن النفس الإنسانية، وبخاصة في وقتنا الراهن، تحتاج إلى طمأنينة الرضا لتنجو من جحيم السخط، وهنا قد يكون من المفيد طرح رؤية الفلسفة الأخلاقية الإسلامية في فهمها للرضا ومعالجتها له على المستوى الوجودي والسلوكي، فهي رؤية قادرة على تلبية حاجات الإنسان المعاصر الروحية.
الرضا
والنفس العاقلة
أخي
الكريم، لعل من ميزات الفلسفة الأخلاقية الإسلامية في نظرتها للرضا، أنها
جعلته من سمات النفس العاقلة، فكلما ارتقى عقل الإنسان تحسنت إدراكاته المعرفية،
فاستطاع أن يرى الرضا في إطار رؤية كلية شاملة وليس كأحداث ومواقف معزولة منزوعة
من سياقها الكلي، يقول المؤرخ والفيلسوف "أحمد بن مسكويه" المتوفى
(421هـ) في كتابه "تهذيب الأخلاق وتطهير الأعراق: "إنَّ اللذات البدنية
ليست خيراتٍ بالذات، بل هي مسكِّناتٌ لآلامٍ سابقة؛ كالأكل عند ألم الجوع. أما
اللذة الحقيقية والرضا المستقر، فإنهما يشرقان في النفس العاقلة حين تنال كمالها
المعرفي والأخلاقي، وتتحرر من أسر الشهوة والنزوع المادي".
وفيما
يتعلق بالرضا كرؤية للوجود، رأى علماء الكلام المسلمون، أن نظرة الرضا للوجود ما هي
إلا اعتراف بتمام الحكمة الإلهية في الوجود؛ لأن ما تجريه الأقدار ملتزم بالحكمة،
حتى وإن لم يعلمها الإنسان؛ لأن الخالق سبحانه وتعالى لم يخلق شيئًا عبثًا ولا
يفعل شيئًا عبثًا، فالخلق والفعل الإلهي ملتزمان بالحكمة، أي وضع الشيء في موضعه، يقول "أبو حامد الغزالي": "ليس في
الإمكان أبدع مما كان، إذ لو كان في الإمكان أبدع منه وأجمل، ولم يخلقه الله مع
قدرته وعلمه، لكان ذلك نقصًا في الوجود والحكمة"، فالرضا بالواقع الوجودي هو
اعتراف بتمام الحكمة الإلهية.
الرضا فعل إيجابي
أخي الكريم، تنبهت المستشرقة والعلامة الألمانية
"آنا ماري شميل" لحقيقة الرضا في الرؤية الإسلامية كفعل إيجابي وليس
استسلامًا سلبيًّا غير واع، فقالت في كتابها "الأبعاد الروحية للإسلام":
"الرضا في الفلسفة الأخلاقية الإسلامية، لا سيما في تجليها الصوفي، ليس
استسلامًا قدريًّا أعمى كما توهم بعض فلاسفة الغرب، بل هو فعل حب واع وتناغم
إيجابي مطلق مع المشيئة الإلهية، يحول ألم المعاناة إلى سكينة باطنية واكتفاء
ذاتي".
ومن ثم فالرضا هو تحرر للذات؛ لذلك كان تعريف من تعريفات
علماء الأخلاق المسلمون للرضا بأنه "سكون القلب تحت مجاري الأحكام"، فهو
ليس إلغاءً للإرادة، بل تناغم تام بين إرادة العبد الحرة وبين الحكمة الإلهية
المطلقة.
وقد سعى بعض علماء الأخلاق المسلمين لتفكيك السخط وعدم
الرضا، مثل "الحارث المحاسبي" (المتوفى:243هـ) الذي رأى أن التزام
الإنسان للرضا من أعلى درجات محاسبة النفس؛ لأن الإنسان بهذا الرضا يمنع
عقله من الاعتراض على مجريات القدر.
أما أبو حامد الغزالي فطرح رؤية عملية لتحقيق التوازن
بين الرضا والسعي، فكلا الأمرين ليس هناك تناقض بينهما، فالرضا سلام داخلي مع
النتيجة، وليس تقاعسًا عن فعل المقدمات؛ فالرضا محرك نفسي يدفع الإنسان للعمل
والسعي في الكون مع تفويض النتائج لله سبحانه وتعالى.
يرى علماء الأخلاق المسلمون أن الرضا أرقى من الصبر؛ لأن
الصابر يتألم ويتحمل، بينما الراضي قد استقرت نفسه وسكن قلبه فلم يعد يجد ألم
الاعتراض؛ فالراضي "تجاوز الألم النفسي" عبر الفهم المعرفي، مما يجعله
المحرك الأساسي الذي ينقل الأخلاق من إطار "الواجب الثقيل" إلى إطار
"التلذذ بالطاعة".
وختاما أخي الكريم، يمكن القول بأن الرضا في
الفلسفة الأخلاقية الإسلامية هو تصالح مع الواقع دون التخلي عن الطموح الأخلاقي
لتغييره نحو الأفضل، كما أنه اعتراف بالحكمة الإلهية في الفعل، واعتراف بالعجز
البشري عن إدراك الحكمة في كل أفعال الخالق سبحانه وتعالى، لقصور الرؤية الإنسانية
وعدم إحاطتها بالمعرفة الوجودية والشاملة.
موضوعات ذات صلة:
هل يعكر
طغيان إلحاح الإنجاز سعادة الإنسان؟
هل تقف
الرقمية وراء سخطنا على أجسادنا؟
هل تحتاج
عقولنا إلى قيمة الرضا؟