<p class="MsoNormal" dir="RTL" style="text-align:justify"><span lang="AR-SA" style="font-size:18.0pt;color:#1F1F1F;border:none windowtext 1.0pt;mso-border-alt: none windowtext 0cm;padding:0cm">السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.</span><span lang="AR-SA" style="font-size:18.0pt;color:#1F1F1F"><o:p></o:p></span></p><p class="MsoNormal" dir="RTL" style="text-align:justify"><span lang="AR-SA" style="font-size:18.0pt;color:#1F1F1F">يكرر الخطباء والوعاظ دائمًا مقولة: <span style="border:none windowtext 1.0pt;mso-border-alt:none windowtext 0cm; padding:0cm">«اعمل لدنياك كأنك تعيش أبدًا، واعمل لآخرتك كأنك تموت غدًا»</span>.<o:p></o:p></span></p><p class="MsoNormal" dir="RTL" style="text-align:justify"><span lang="AR-SA" style="font-size:18.0pt;color:#1F1F1F">فهل هذا حديث صحيح للنبي صلى الله عليه وسلم؟ <o:p></o:p></span></p><p class="MsoNormal" dir="RTL" style="text-align:justify"><span lang="AR-SA" style="font-size:18.0pt;color:#1F1F1F">وما المعنى المقصود منه؟ وكيف أطبقه عمليًّا في حياتي؟ بمعنى: كيف أترجم هذا المفهوم إلى سلوك يومي يجمع بين الاجتهاد في عملي الدنيوي وتحصيل الرزق، وبين استحضار الموت دائمًا والتعلق بالآخرة؟<o:p></o:p></span></p><p class="MsoNormal" dir="RTL" style="text-align:justify;direction:rtl;unicode-bidi: embed"> <span lang="AR-SA" dir="RTL" style="font-size:18.0pt;font-family:"Simplified Arabic",serif; mso-fareast-font-family:"Times New Roman";color:#1F1F1F;mso-ansi-language:EN-US; mso-fareast-language:EN-US;mso-bidi-language:AR-SA">وجزاكم الله خيرًا.</span></p>
وعليكم
السلام ورحمة الله وبركاته، ومرحبًا بك أخي الكريم، وأشكرك على ثقتك بنا وتواصلك
معنا، وأسأل الله أن ينير قلبك بنور الفهم السليم، وأن يرزقك التوفيق والسداد، وأن
يجعل عملك كله صالحًا ولوجهه خالصًا، وأن يجمع لك بين خيرَي الدنيا والآخرة،
وبعد...
هل
هو حديث صحيح عن النبي ﷺ؟
المقولة
التي ذكرتها في رسالتك، وهي: «اعمل لدنياك كأنك تعيش أبدًا، واعمل لآخرتك كأنك
تموت غدًا» ليست حديثًا نبويًّا صحيحًا مرفوعًا إلى النبي ﷺ، ولم تثبت عن
رسول الله ﷺ بسند صحيح؛
وإنما تروى في المصنفات والكتب موقوفة على واحد أو اثنين من الصحابة، ورُوي أيضًا
عن بعض التابعين والحكماء.
وعليه،
فلا يجوز نسبة هذه الجملة إلى النبي ﷺ بقولنا: «قال رسول الله»، بل يُكتفى بإيرادها على أنها حكمة ومعنى تربوي لطيف يتفق
مع المقاصد الشرعية إذا فُسِّر تفسيرًا صحيحًا.
المعنى
المقصود والمفهوم الدقيق للمقولة
يحمل
هذا الأثر معنى تربويًّا ودقيقًا يهدف إلى إقامة التوازن النفسي والسلوكي في حياة
المسلم، وينقسم معناه إلى شقين متكاملين:
1-
معنى «اعمل لدنياك كأنك تعيش أبدًا»: ليس المقصود هنا
إغراء المسلم بالحرص الشديد على الدنيا، أو التكالب على جمع حطامها، أو الركون إلى
الأمل الطويل المذموم الذي ينسي الآخرة؛ فهذا يتنافى مع أصول الشريعة التي تحذِّر
من الاغترار بالدنيا. وإنما المعنى الدقيق ينصب على الآتي:
ـ
الهدوء والتأني وعدم القلق: فإذا عملت لدنياك، فاعمل ببال هادئ ونفس
مطمئنة دون هلع أو جشع؛ لأن ما فاتك منها اليوم يمكنك تحصيله غدًا أو بعد غد،
فكأنك ممتد العمر، فلا داعي للتكالب والحرام وقطع الأرحام من أجل المكاسب
الدنيوية.
ـ
التخطيط والإعمار طويل المدى: أن يعمل الإنسان في إعمار الأرض وبناء
المشاريع النافعة والمؤسسات والعلوم كأنه سيعيش طويلًا، ليبقى نفع عمله متعديًا
للأجيال من بعده.
ـ
الاستبشار والعمل لآخر لحظة: كما جاء في الحديث الصحيح عن النبي ﷺ: «إن قامت
الساعة وفي يد أحدكم فسيلة، فإن استطاع ألّا تقوم حتى يغرسها فليغرسها» [رواه
أحمد].
معنى:
«واعمل لآخرتك كأنك تموت غدًا»: هذا الشق يتعلق بأعمال الآخرة
والعبادات، والمقصود منه:
•
المبادرة وقطع التسويف: ألَّا تؤجل التوبة، ولا تؤخر الصلاة
والفرائض، ولا ترجئ رد مظلمة إلى أهلها؛ لأن الموت يأتيك بغتة.
•
إتقان العبادة واستحضار الخشوع: عندما تصلي أو تتصدق، استحضر أنها
قد تكون أحدث عهدك بالدنيا، فتُخرج أفضل ما لديك. كما أوصى النبي ﷺ بقوله: «إذا
قمتَ في صلاتك فصلِّ صلاة مودِّع» [رواه ابن ماجة].
•
تجديد العهد مع الله: الحذر من طول الأمل في شأن الآخرة؛ قال
الله تعالى: ﴿أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَن تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ
اللَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ وَلَا يَكُونُوا كَالَّذِينَ أُوتُوا
الْكِتَابَ مِن قَبْلُ فَطَالَ عَلَيْهِمُ الْأَمَدُ فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ﴾
[الحديد: 16].
التطبيق
العملي في الحياة اليومية
لكي
تتحول هذه المعاني إلى منهج حياة يجمع بين الاجتهاد في طلب الرزق والاستعداد
للآخرة، واستحضار الموت، أنصحك بالآتي:
1-
تحويل العادات إلى عبادات بالنية الصالحة: الاجتهاد في
العمل الدنيوي ليس خارجًا عن نطاق العبادة إذا صحَّت النية. فعندما تخرج صباحًا
لعملك وتحصيل رزقك، استحضر نية إعفاف نفسك وأهل بيتك عن الحرام والأخذ بأسباب
الكفاية، ونية التصدق بما يفيض عن حاجتك على الفقراء والمحتاجين، ونية نفع
المسلمين وإتقان وظيفتك أو مهنتك. فبهذه النيات يصبح وقت عملك في المكتب أو المتجر
أو الدراسة حسنات مدرجة في صحيفة حسناتك، وبذلك تزول الفجوة بين العمل الدنيوي
والعمل الأخروي.
2-
أعط كل عمل وقته وحقه: فعند دخول وقت الصلاة، انزع عقلك وتفكيرك
من مشاغل العمل ورسائل الهاتف، وصَلِّ صلاة من يظن أنه لن يدرك الصلاة التي تليها. وعندما تكون في مقر عملك، أتقن مهامك وخطط لمستقبلك ومستقبل أبنائك بكل شغف
وتركيز والتزام، دون أن يدفعك ذلك لأكل الحرام أو الغش.
3-
اجعل الدنيا في يدك لا في قلبك: اجتهد واكسب المال وابنِ المشاريع
وخطط، ولكن اجعل كل ذلك في يدك تتصرف فيه بحكمة، ولا تجعله في قلبك بحيث إذا خسرت
منه شيئًا انكسر قلبك أو سخطت على قدر الله. كان من الصحابة -رضي الله عنهم-
أغنياء (كعثمان بن عفان، وأبي بكر الصديق، وعبد الرحمن بن عوف)، لكن أموالهم كانت
مسخَّرة لنصرة الدين ولم تمنعهم من استحضار الموت والآخرة.
4-
التوازن في توزيع الأعمال على الأوقات: ابدأ يومك مبكرًا
بصلاة الفجر في وقتها، ثم أذكار الصباح، وقراءة ورد يومي من القرآن، لتشحن قلبك
بالتعلق بالآخرة قبل الاحتكاك بالدنيا. ثم مارس عملك أيًّا كان
باجتهاد وأمانة، واجعل شعارك القناعة وعدم التوتر. وإذا واجهتك عقبة دنيوية فاستعن
عليها بالله، وذكِّر نفسك بالرضا بقضاء الله وقدره.
واجعل
أوقات الصلوات المكتوبة محطات انتزاع لنفسك من غمرة الدنيا لتستحضر قرب الأجل
والتوبة. وقبل أن تنام حاسب نفسك على ما فعلته طوال اليوم، وجدِّد التوبة من ذنوب
اليوم، وصَفِّ قلبك تجاه الناس، متذكرًا أن الموت قد يأتي في هذه الليلة، كما قال
عبد الله بن عمر رضي الله عنهما: «إذا أصبحتَ فلا تنتظر المساء، وإذا أمسيتَ فلا
تنتظر الصباح» [رواه البخاري].
أسأل
الله -تعالى- أن يرزقك بصيرة نافذة، وأن يوفقك لتحقيق التوازن الشامل في حياتك،
فيجعل دنياك مزرعة لآخرتك، وعملك الصالح سببًا لرفعة درجاتك في الجنان. وأدعوه
-سبحانه- أن يبارك لك في رزقك ووقتك وعافيتك، وأن يتولاك في الصالحين، وصلِّ اللهم
وسلِّم وبارك على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه وسلم.
روابط
ذات صلة: