حكم الاستماع إلى قارئ أثناء الصلاة والترديد معه مخافة الخطأ

هل يجوز أن أفتح سورة مسموعة من القرآن على الموبايل في صلاة قيام الليل هذه السورة أنا أحفظ منها القليل وأريد أن أقرأ مع القارئ حتى لا أخطئ؟

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على المبعوث رحمة للعالمين، سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، وبعد:

 

فأهلاً وسهلاً ومرحبا بك أخي الكريم، وإن حرص المسلم على إطالة القراءة في قيام الليل، ورغبته في تدبر آيات القرآن الكريم، وتصحيح تلاوته وعدم الخطأ في القراءة، هو من عظيم القربات وعلامات صدق الإيمان، ولكن الشريعة الإسلامية التي جاءت باليُسر والسعة، قد وضعت بدائل شرعية صحيحة لمن لا يحفظ الكثير من القرآن ويرغب في إطالة صلاته، بما يحفظ على الصلاة هيبتها وخشوعها ويوافق هدي النبي ﷺ وأصحابه.

 

اختصارًا:

 

لا يُشرع للمصلي تشغيل مقطع صوتي لسورة من القرآن الكريم على الهاتف المحمول والترديد مع القارئ أثناء الصلاة. ويُعد هذا العمل مُخِلاً بهيئة الصلاة، وقد يؤدي إلى بطلانها عند كثير من العلماء المعاصرين لإدخاله صوتًا أجنبيًّا مستمرًا فيها، والبديل الشرعي الصحيح والمُتفق على جوازه في صلاة النافلة لمن لا يحفظ القرآن، هو أن يقرأ المصلي مباشرة من "المصحف الورقي" أو من "شاشة الهاتف" بالنظر بعينيه وتحريك لسانه، دون الحاجة لتشغيل أي مادة صوتية، ولو كان القارئ غير ماهر بالقراءة فيندب له أن يتعلم ولا يوقف الصلاة حتى يتعلم، فلقارئ القرآن الذي يتتعتع (يقرأه مع مشقة وتردد) فيه أجران.

 

وتفصيلاً:

 

أولاً: حكم تشغيل الصوت والترديد معه في الصلاة:

 

يرى كثير من العلماء المعاصرين كاللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء أن الاستماع لآلة التسجيل أو الهاتف في الصلاة والترديد معها أو اتخاذها كالإمام أمرٌ غير جائز. وعللوا ذلك بأن إدخال صوت إنسان آخر غير المصلي يتلو القرآن داخل الصلاة يُعد من الأصوات الأجنبية التي تقطع الموالاة وتنافي الخشوع، كما أن تتبع صوت القارئ يُخرج المصلي عن هيئة الصلاة ويشغله بالإنصات والمتابعة الآلية بدلاً من التدبر الذاتي، وقد نص الفقهاء على أن "كثرة الأفعال الأجنبية المتوالية لغير حاجة تبطل الصلاة".

 

ثانيًا: البديل الشرعي القراءة من المصحف في قيام الليل:

 

أجاز جمهور الفقهاء من الشافعية والحنابلة، وهو المفتي به عند المالكية في النافلة قراءة المُصلّي من المصحف في صلاة التطوع كقيام الليل والتراويح. وبناءً عليه، يجوز لك أن تفتح السورة مكتوبةً على شاشة الهاتف، وتضع الهاتف أمامك أو تحمله بيدك، وتقرأ منها مباشرة.

 

ودليلهم ما أخرجه الإمام البخاري في صحيحه معلّقًا مجزومًا به: "أن عائشة رضي الله عنها كان يَؤُمُّهَا عَبْدُهَا ذَكْوَانُ مِنَ المُصْحَفِ".

 

أقوال العلماء في جواز حمل المصحف في صلاة النافلة:

 

قال الإمام النووي في المجموع: "لو قرأ القرآن من المصحف لم تبطل صلاته، سواء كان يحفظه أم لا، بل يجب عليه ذلك إذا لم يحفظ الفاتحة... وهذا مذهبنا ومذهب مالك وأبي يوسف ومحمد وأحمد".

 

وسُئل الإمام ابن باز رحمه الله عن القراءة من المصحف في صلاة التراويح لمن لا يحفظ، فأجاب: "لا حرج في ذلك... لأن الحاجة تدعو إلى ذلك لسماع جميع القرآن في صلاة التراويح والقيام". وكذلك يُقاس عليه القراءة من شاشة الهاتف بشرط إغلاق التنبيهات حتى لا تُلهي المصلي.

 

ويجوز حمل الهاتف أو المصحف في صلاة النافلة مع مراعاة الضوابط التالية لضمان صحة الصلاة وخشوعها:

 

الاقتصار على حركة الحاجة: تمرير الشاشة أو تقليب الصفحات جائز للحاجة، مع تجنب أي حركات متوالية سريعة لا حاجة لها.

 

إغلاق المشتتات: تفعيل وضع "عدم الإزعاج" أو "الطيران" لضمان عدم استقبال مكالمات أو إشعارات تقطع الخشوع وتُشغل القلب.

 

وضع الهاتف في الركوع والسجود: يُدخل المصلي الهاتف في جيبه أو يضعه برفق على مكان قريب كطاولة صغيرة أو على الأرض عند الركوع والسجود، ليتسنى له وضع يديه على ركبتيه في الركوع، وعلى الأرض في السجود بهيئة صحيحة.

 

ضبط إعدادات الشاشة: تفعيل خيار إبقاء الشاشة مضاءة طوال فترة الصلاة لتجنب كثرة الحركة الناتجة عن الحاجة المتكررة لفتح قفل الشاشة.

 

موضع النظر: يقتصر النظر إلى الشاشة أثناء القيام وقت التلاوة، ويُستحب إعادة النظر إلى موضع السجود في باقي أركان الصلاة كالمعتاد.

 

القواعد الفقهية الحاكمة في الاستماع إلى قارئ أثناء الصلاة والترديد معه:

 

الأصل في العبادات التوقيف: العبادات مبنية على ما ورد به الشرع، ولم يَرِد في الهدي النبوي أو عمل السلف إدخال ملقّن خارجي مستمر في الصلاة، فيقتصر على الوارد وهو القراءة من المصحف.

 

الاشتغال بغير المقصود إعراض عن المقصود: انشغال السمع بمتابعة صوت خارجي، وضبط التزامن معه، يُفقد المصلي الخشوع الذي هو روح الصلاة ومقصدها الأعظم.

 

المشقة تجلب التيسير: بناءً على هذه القاعدة، رخّص الشارع لغير الحافظ أن يحمل المصحف ويقرأ منه في النافلة، تيسيراً عليه ليُدرك فضل طول القيام وتلاوة السور الطويلة.

 

الخروج من الخلاف مستحب: نظرًا لأن الاستماع للصوت المسجل في الصلاة يدخل في باب مبطلات الصلاة عند عدد من المحققين، فإن الانتقال إلى القراءة بالنظر من المصحف وهي الجائزة بأدلة السلف يبرئ الذمة ويصحح العبادة بيقين. والله تعالى أعلى وأعلم.

 

روابط ذات صلة:

حكم القراءة من المصحف أو (الهاتف) أثناء الصلاة فرضا ونفلا

حكم قراءة القرآن من الهاتف