ما الخلفيات الفكرية لمنع الحجاب في أذربيجان؟

ما هي خلفيات الفكرية والأيديولوجية التي تقف وراء منع الحجاب في أذربيجان، رغم أن نسبة المسلمين كبيرة في الدولة، وكيف نفهم هذا القرار الجائر؟

أخي الكريم، رغم أن الإسلام عرف طريقه إلى منطقة أذربيجان في العام (22هـ=643م) وذلك في خلافة عمر بن الخطاب رضي الله عنه، وبعد ما يقرب من قرن واحد فقط تحولت أذربيجان إلى مركز مهم للإسلام في منطقة القوقاز بعد تلاشي الديانات الأخرى، وأصبح الإسلام هو الهوية الرئيسية لأذربيجان منذ ذلك التاريخ، رغم المحاولات الشيوعية في القرن العشرين لطمس تلك الهوية إبان الاتحاد السوفيتي.

 

ورغم هذا الرسوخ القديم للإسلام في أذربيجان فإن شاشات الإعلام حملت لنا أخبارًا مؤلمة ودموعًا حارة في أكتوبر 2026م من فتيات ومعلمات وأسر مسلمة بعد منع الحجاب في المؤسسات التعليمية وإبعاد المحجبات عن التعليم بناء على القرار (309) الصادر عن مجلس الوزراء الأذربيجاني بمنع ارتداء الحجاب، تحت ذريعة "أنه يُخل بوحدة الزي المدرسي المعتمد، وعدم توافقه مع مبدأ علمانية التعليم العام".

 

وهنا يطرح السؤال عن الخلفيات الفكرية والسياسية التي تقف وراء هذا الموقف من الدولة الأذربيجانية ضد الحجاب، رغم أن الإسلام يعتنقه أكثر من 90% من الشعب، يشكل فيه المسلمون الشيعة حوالي 60% من الكتلة المسلمة، أما أهل السنة على المذهبين الحنفي والشافعي فيشكلون الباقي، أي حوالي 40%.

 

خلفيات منع الحجاب في أذربيجان

 

أخي الكريم، قد يكون من المفيد رسم ملامح عامة تساهم في فهم أبعاد هذا القرار الجائر ضد الحجاب في أذربيجان؛ نظرًا لأن الأزمة تتصاعد بعد خروج مظاهرات رافضة له، وهذه المظاهرات تتسع القطاعات الشعبية المؤيدة لها، ومن تلك الملامح:

 

* العلمانية الإقصائية: توصف العلمانية في أذربيجان بأنها علمانية شديدة الإقصائية، ولعل ذلك يرجع في بعض أسبابه إلى النخبة الحاكمة والمسيطرة على القرار السياسي ومفاتيح السلطة في البلاد، فهي امتداد للنخبة الشيوعية التي كانت تحكم إبان الاتحاد السوفيتي، ولها موقف حاد من الدين، وهذا الموقف لم يتغير مع انهيار الاتحاد السوفيتي في مطلع التسعينيات من القرن الماضي، كما أن الدستور الأذري ينص صراحة على علمانية الدولة، وينص على أن التعليم علماني بالكامل، ويُمنع إدراج المناهج الدينية كجزء من التعليم الإلزامي.

 

* مخاوف من الامتداد الشيعي من إيران إلى أذربيجان: تتملك النخبة الحاكمة في أذربيجان مخاوف من امتداد النفوذ الشيعي من الجار الإيراني إلى أذربيجان؛ لذا يُنظر للحجاب كأداة اختراق ديني ومذهبي للمجتمع الأذربيجاني وليس كفريضة دينية واجبة على المرأة المسلمة.

 

* التقارب الأذربيجاني مع الكيان الصهيوني: هناك تحليلات تشير إلى أن الحجاب تعرض لمنع مماثل عام 2007م في أذربيجان، ولكن تم تجاوز الأزمة بسرعة، لكن ربما قرار منع الحجاب عام 2026م، كان للتغطية على التعاون بين أذربيجان وبين إسرائيل في الجانبين العسكري والاستخباراتي، وتُعد إسرائيل المورد الرئيسي للسلاح إلى أذربيجان، حيث استحوذت على حوالي 69% من واردات باكو العسكرية في السنوات الأخيرة وفقًا لمعهد ستوكهولم الدولي لأبحاث السلام (SIPRI)، كما أن أذربيجان تزود تل أبيب بما يتراوح بين 40% إلى 60% من احتياجاتها من النفط الخام عبر خط أنابيب (باكو-تبليسي-جيهان) المار بتركيا، ولأذربيجان استثمارات ضخمة في حقول الغاز في إسرائيل، كما أن وجود حدود برية طويلة بين أذربيجان وإيران تبلغ (765) كيلومترًا، جعل أذربيجان محورية استخباراتيًّا في الحرب بين إيران وإسرائيل.

 

* تنمية النزعة القومية في مقابل الانتماء الديني: تحاول النخبة الحاكمة في أذربيجان ترسيخ الهوية القومية الأذرية على حساب الهوية الدينية ومفهوم الانتماء إلى الأمة المسلمة، لذلك يتم تشجيع الرموز التراثية الأذرية ومنها غطاء الرأس التقليدي "الكيلاغاي" كبديل عن الحجاب الشرعي، ومن ثم فالسلطة الحاكمة تطبق هندسة اجتماعية وسياسية تهدف إلى بناء نموذج محدد لـ "الهوية الوطنية الأذربيجانية"، ويُعد تشريع الملابس أداة رئيسية في هذا المشروع.

 

والكيلاغاي هو عبارة عن وشاح مربع الشكل مصنوع بنسبة 100% من الحرير الطبيعي الخالص ومطرز بنقوش وزخارف هندسية ونباتية تقليدية، وقد أدرجته منظمة اليونسكو عام 2014 ضمن قائمة التراث الثقافي غير المادي للبشرية.

 

موضوعات ذات صلة:

أزمات الحجاب لماذا تتكرر؟