رجل ينفق شهرياً مبالغ طائلة على شراء "القهوة المختصة" بحجة أنها وقود إنتاجيته، لكنه في نهاية الحول يدّعي عدم امتلاكه سيولة نقدية كافية لإخراج زكاة ماله أو لدفع كفارة يمين. فهل يُعد إنفاقه اليومي على هذه القهوة الفاخرة من "الإسراف المذموم" شرعاً الذي يسقط عنه عذر الإعسار؟ وما حكم شرب قهوة "الكوبي لواك" التي تُستخرج من فضلات حيوان الزباد بعد هضمها من حيث الطهارة والنجاسة؟
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على المبعوث
رحمة للعالمين، سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، وبعد:
فأهلا وسهلاً ومرحبًا بك أخي الكريم، وهذا
السؤال يتناول شقين مترابطين في فقه الاستهلاك؛ الأول يتعلق بأحكام الإنفاق
وتعارضه مع أداء الواجبات الشرعية كالزكاة والكفارة، والثاني يتعلق بطهارة وجواز
استهلاك نوع معين من القهوة المستخرجة من فضلات الحيوانات.
اختصارًا:
الإنفاق
المبالغ فيه على الكماليات المباحة كالقهوة المبالغ في ثمنها يصبح "إسرافًا
مذمومًا" شرعًا إذا أدى إلى تضييع الواجبات كإخراج الزكاة ودفع الكفارات،
ورعاية الأسرة، وادعاء الإعسار في هذه الحالة لا يُسقط الحقوق الواجبة، بل تبقى
دينًا في ذمته يحرم التهاون فيه. أما شرب قهوة "الكوبي لواك" فهو جائز
بشرط خروج حبة البن صلبة غير منهضمة، وتطهيرها بالغسل بالماء قبل التحميص، فإن
تكسرت أو هُضمت فهي نجسة ويحرم شربها.
وعلى
المسلم أن يكون يقظًا، فمعظم هذا الخصائص التي يدعونها في منتج ما إنما هي من أثر
الدعاية، والمبالغات هي أصل من أصول الترويج، فعلى الحقيقة لا فارق كبير بين معظم
المنتجات المبالغ في سعرها وبين المنتجات العادية إلا أثر الاستعداد النفسي،
والتجارب في هذا الأمر أكثر من أن تحصى.
وتفصيلاً:
المسألة
الأولى: الإسراف في الكماليات وتضييع الواجبات الشرعية
الأصل
في المأكولات والمشروبات الطيبة الإباحة، لكن الشريعة قيدت هذا الاستهلاك بضابطي:
عدم الإسراف، وعدم تضييع الحقوق. قال تعالى: {وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلَا
تُسْرِفُوا إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ} [الأعراف: 31].
وإنفاق
مبالغ طائلة يوميًّا على كماليات كالقهوة الفاخرة مع التقاعس عن أداء الزكاة التي
هي الركن الثالث من أركان الإسلام، أو الكفارة الواجبة ليمين حنث فيه، يُعد من
تقديم حظوظ النفس على حق الله وحقوق الفقراء، وهو بلا شك داخل في حد الإسراف
المذموم شرعًا.
قال
الإمام ابن حزم في "المحلى": "من أنفق ماله في مباح حتى لم يبق منه
شيء يلزمه فيه حق، فليس محمودًا بل هو مسرف".
وادعاء
هذا الرجل "الإعسار المادي" هو ادعاء باطل شرعًا لا يبرئ ذمته؛ فالزكاة
تتعلق ببلوغ النصاب وحولان الحول، فإذا وجبت تعلقت بالذمة وصارت دينًا. وإنفاقه
للمال لا يُسقط الدين، بل يأثم بتأخيره الواجب عن وقته قدر استطاعته، ويجب عليه
التوبة وإعادة ترتيب أولوياته المالية لسداد ديون الله تعالى قبل الإنفاق على
مستلزمات مزاجه.
المسألة
الثانية: حكم شرب قهوة "الكوبي لواك"
تُستخرج
هذه القهوة من فضلات حيوان الزباد الآسيوي. وهذا الحيوان لا يُؤكل لحمه، وفضلات ما
لا يُؤكل لحمه نجسة شرعًا. لكن المسألة هنا تتعلق بـ"الحبة" التي
يبتلعها وتخرج كاملة.
وقد
حسم فقهاء المذاهب هذه المسألة قديمًا في تقرير حكم الحبوب المستخرجة من روث
الدواب؛ قال الإمام النووي الشافعي في "المجموع": "إذا أكلت
البهيمة حبًّا وخرج من بطنها صحيحًا، فإن كانت صلابته باقية بحيث لو زُرع نبت،
فعينه طاهرة، لكنه متنجس لمجاورته النجاسة، فيطهر بالغسل. وإن كانت صلابته قد زالت
بحيث لو زُرع لم ينبت فهو نجس".
وبناءً
على هذا التأصيل الفقهي الدقيق، اجتمعت الفتاوى المعاصرة ومنها فتوى للجنة الفتوى
بالمجلس الوطني الماليزي للشؤون الإسلامية، ومجلس العلماء الإندونيسي على جواز
استهلاك هذه القهوة.
وطهارتها
مقيدةً بالضوابط التالية:
· أن تكون حبات البن المخرجة ما زالت في
غلافها القشرة الصلبة محتفظة بخصائصها بحيث لو زُرعت لنبتت.
· أن يتم غسل هذه الحبوب بالماء الطهور
إزالةً لعين النجاسة المجاورة لها قبل الشروع في تحميصها.
· فإذا تحقق ذلك، صارت طاهرةً وحلالاً.
أما إذا خرجت الحبة متكسرة أو منهضمة، فقد استحالت إلى نجاسة ويحرم استهلاكها.
القواعد
الفقهية الحاكمة في شرب قهوة الـ
"كوبي لواك" ودفع مبالغ طائلة فيها:
الواجبات
مُقدمة على المباحات: فلا يُقبل التشاغل بمباح عن أداء فرض
واجب، والموازنة تقتضي تقديم حق الله كالزكاة على حظ النفس كالقهوة وغيرها.
الغرم
بالغنم: من استهلك ماله مختارًا في كماليات لا يسقط عنه غرم الواجبات المتعلقة بذمته بحجة
الإفلاس المفتعل.
النجاسة
المجاورة تطهر بالغسل: إذا لم تتشرب العين الصلبة حبة البن
النجاسة من الداخل، واقتصرت على التلوث الخارجي، فهي تأخذ حكم "المتنجس"
الذي يطهر بالغسل والتطهير، لا حكم نجس العين. والله تعالى أعلى وأعلم.
روابط
ذات صلة:
المكملات الغذائية مجهولة المصدر هل تجري عليها أحكام الاستحالة؟
الاستحالة والاستهلاك وأثرهما على الأطعمة والأدوية